الرئيسية / مقالات / أنواع من الغواش 

أنواع من الغواش 

** أنواع من الغواش  **

والجنين يغشاه ليل البطن و المشيمة و الرحم

والإنسان يغشاه ليل الابتلاءات بأنواعها 00

ونوع الليل في كل حالة يوضح الشيء المشار إليه و هكذا كل طرف يدل على الطرف الآخر 00 بعض الناس يطول بياتهم مثلا ما يقارب مائة عام ثم يظهر نهارهم فإذا نهارهم يسوده الفساد و الاضطراب و الخيانة فهنا النهار يبين ما كان في ليلهم الطويل من سوء نية و جهل و عقيدة فاسدة و ثمار مرة فالنتيجة تعرف عند ظهور الثمار

و صدق الله تعالى : { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يُخرج الله أضغانهم   }[31/ محمد]

حتى إن الشعرة في الرأس لها ليل يمتد في البُصيلة و نوعها فنوع الشعر يتحدد بمدى التغذية التي تصله في ليل البُصيلة و لا عجب أن الدهاء مثلا صناعة لها ليل !

و لو قُطعت الشجرة عن ليلها لن تُثمر ، و ليلها كما علمنا أي عملية الإنبات التي تتم تحت الأرض 00 هذا هو أصلها 00 فلا ينقطع الشيء عما فيه و لا عن أمه و أبيه 00 فالأصل أن الشيء موصول بما قبله وبما بعده 00

” و الليل إذا يغشى ” و كأنه يُسلم رسالة و يتسلم رسالة فهو يُسلم رسالة عن مجيئه كل ليلة و يتسلم رسالة تقريرية عن ذهابه و غيابه عن هذا المكان

و هكذا و الليل و النهار زوجان متعاكسان و متعاونان و متضادان و متعاقبان ، و أحيانا يقترض الليل من النهار و يقترض النهار من الليل ” طول النهار وقصره” و هنا يأتي الوفاء في أداء الأمانة عند تساوي الليل و النهار  انه استيفاء الحقوق والديون ولكنهما يتنافسان ويحاولان الاستئثار بالأفضلية و كان الحوار بينهما بدلا من الخلاف و التنازع فكان من حوار الليل مع النهار

أنه يستر العراة و يجير الهارب الخائف ، أخفى تحت جُنحه المطارد المطلوب ، هو مصدر للعظماء و ملهم للشعراء ، و هو رفيق الأتقياء و الأخفياء و هو صديق الصالحين و الأولياء ، سماه ربه ” سُباتا”  جعله للذاكرة قياما ، و يحتضن أرواح التائبون 00 و الحوار بينهما طويل و يمتد بامتداد السنين

و من غاشية الليل ، ” غاشية العقول ” أي ليل العقول !

و من غاشية الليل ، غاشية النفوس

ثم هناك أنواع أخرى ليل الجهل ، ليل الكُفر ، ليل الشك ، ليل الظن ،ليل التردد , ليل الظلمة ، ليل المنافق

قال تعالى : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا , فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم و تركهم في ظلمات لا يبصرون } [ البقرة / 17]

قال تعالى : { يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه و إذا أظلم عليهم قاموا و لو شاء الله لذهب بسمعهم و أبصارهم إن الله على كل شيء قدير } [ البقرة / 20]

هؤلاء الذين طال ليلهم في الحياة الدنيا و في الآخرة ، حياتهم ليل ظلام دامس ، مقدار نهارهم مقدار زمن البرق في السماء لا يتعدى نهارهم بضعة ثواني معدودة ، إنهم أهل الضلالة ، الذين ضلوا الطريق ، قلوبهم مسدودة ، و جوارحهم معطلة ! فهم يعيشون ليل الدنيا و سواد الدنيا و الآخرة 000

إن النفس البشرية  تكيف نفسها و تتفاعل مع الليل قبل غشيانه ، فالليل أول ما يأتي يأتي في النفس البشرية ، يخيم عليها ، لعلم الله الأزلي أن هناك أماكن لا يصلها الليل أصلا ، فيكون الميزان وقتها عند العبد ، فالليل ليل الكون وانطبع هذا الليل على ليل النفس ، فصار ليل النفس دليلا على ليل الكون ، إذا النفس تحدد الليل ، ترخي سُدولها و تنزل الستر ، تستر في النفس شموخ الإرادة و تتهيأ النفس لاستقبال الليل  ترخي النفس ستورها بعد كد يوم حافل بالعمل و الارهاق و تريد الراحة و السكن ، هذا هو ليل النفس ، النفس التي بداخلها مصنع و عمال كثيرون لقد استعد القمر للأفول حتى تهيئ النفس ساعة الشروق ، و في الليل يستفيق في النفس أشياء و تنام أشياء ، يستفيق العقل الكامن في قلبه ، يستفيق بصره الذي في قلبه ، فبصره حديد ، و عقله رشيد بمعنى إذا غاب عن الليل علمه ، و إذا غاب عن وقت النهار علمه

و لما لا و قد قال تعالى : { فلتنظر نفس ما قدمت لغد } هذه الآية تشمل ليلان : ليل الكون و ليل النفس حيث محاسبة النفس ووضع برامج الغد في النهار و إعداد العدة و غاشية العقول مع غاشية النفوس من أخطر أنواع الغواش ، إذ العقل بالقلب و به يُدرك الإنسان و يفهم حياته و أخراه ,يفهم منهج ربه عز وجل و يراقب الخواطر الواردة ، يتابعها و يمحصها ،   فما ظنك اذا غشيه ظلمة الجهل أو الظن أو الشك ؟

* * و لو أخذنا مثالا  * *

فالجهل إذا غشى العقل و أظلمه بأن اعتقد الشيء بخلاف ما هو عليه أو أن نفسه تخلو من العلم تماما ، أو أن يفعل الشيء بخلاف ما ينبغي وهو إما جهل بسيط أو جهل مركب و كأنه ظلمات بعضها فوق بعض 00 و هو اعتقاد جازم غير مطابق للواقع 00

فالجهل البسيط مثاله قوله تعالى : { و الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه و الله سريع الحساب } [ النور / 39]

أما الجهل المركب فمثاله قوله تعالى : {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها و من لم يجعل الله له نور فما له من نور } [ النور / 40]

و أهل الجهل البسيط منهم أهل الشك و الحيرة المعارضين للكتاب المعرضين عنه ، و أهل الجهل المركب هم أرباب الاعتقادات الباطلة 0

و العبد إن فعل القبيح لهواه و شهوته مع علمه بقبحه فهو ظالم ، و الظلم ظلمات و سواد و ليل حالك السواد 0 و لا يحتج الإنسان بالجهل أو حتى بالقدر ، إذ أن الله سبحانه هدى الناس هداية عامة بما أودعه فيهم من المعرفة و مكنهم من أسبابها و بما أنزل إليهم من الكتب و أرسل إليهم من الرسل ، و علمهم ما لم يكونوا يعلمونه ، ففي كل نفس ما يقتضي معرفتها بالحق و محبتها له ، و قد هدى الله عز وجل كل عبد إلى أنواع من العلم يمكنه التوصل بها إلى سعادة الآخرة ، و جعل في فطرته محبة لذلك ، لكن قد يعرض العبد عن طلب العلم ، فلا يريده و لا يعرفه ، فيقع في الضلال و يكون مسئولا عما اختاره من الأقوال و الأفعال ، ” و كأنه دق مسمار الجهل في رأسه و رغم إسالة الدم من رأسه ، فلا يريد أن ينزعه ” فرأسه أسمنتية صلبة ، هذا الذي أحب الظلمات و ما أراد أن يخرج منها ، هذا ليله طويل !

و هناك الليل من جهة النفس الأمارة بالسوء ، فالنفس قاطعة بين القلب و بين الوصول إلى مرضاة الرب ، إلا بعد إماتتها و تركها بمخالفتها و أن يظفر بنفسه و يجعلها في طاعة ربه هذا الذي فاز بنور النهار، نهار نفسه ، و هزم جيش الليل ، ليل نفسه الأمارة بالسوء ، هذا الذي قهرها لله فصارت طوعا له منقادة لأوامر الله تعالى ،

أما الذي قهرته نفسه و صار طوعا لها ، ينفذ أمرها ، هذا صاحب الليل الطويل ! ليل النفس الأمارة بالسوء و التي هي مكتظة بالخواطر الشريرة في منطقة حديث النفس ، فتدعوه إلى أنواع الشهوات و الملذات الحيوانية ، فصاحب هذه النفس لا يقوم إلا في أهواء نفسه و لا يرضى إلا بتحقيق ما يشتهي و في هذه النفس داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه و الحسد له و التعدي عليه في حقه ، و قد يظلم من لا يظلمه ، فهو يعيش ظلمة الليل و ليس له نصيب من نور النهار إلا بالتوبة ، فالتوبة نهار و نور 00 و لذلك وجب  كثرة الاستغفار و رد الحقوق لأصحابها 00 و تتنوع الظلمات و تتعدد , قال تعالى : { الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور و الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }[ البقرة / 257 ]

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *