الرئيسية / مقالات / اثر البخل على حياة الروح

اثر البخل على حياة الروح

اثر البخل على حياة الروح /

و البخل يفقد الروح رونقها و شفافيتها و يجعلها في شدة الكمد تخمد النفس و تتعقد ، و يجعلها ملولة ، فالروح علوية و تحب دائما أن تسبح في حرية شرع الله تعالى لها ، تحب أن ترتقي و تسبح في أعالي الجنة و تتجول في السماوات العلا ، بجوار سدرة المنتهى تحب أن تطوف و لها دوي ، سعيدة فرحة ، تنطلق بذكر الله , و لكن الإنسان إذا قيدها بالمعاصي كالبخل و الكذب و غير ذلك ، اختنقت و شردت, و الذي يبخل لا يقدم فداء و لا قربان ، و يتخفى البخيل في دنيا الناس و يستتر و سط زخم البشرية بل يُستر في ثقل الطين ، مادة خلقه ، و تُسجن الروح و يأخذ الإنسان صفات الطين حيث الدعة و الكسل و الثقل و الظلمة ، و من ثم تروغ النفس و تزوغ ، و يظل الإنسان يراوغ و يمكر و يتآلف مع الظلمة و الضيق و تصبح روحه خبيثة ، لقد خبثت النفس و أخذت الصفات السفلية ، فأصبح الإنسان ماكر و صاحب خديعة و دهاء 00 أصبح يصدق الشيطان و يكذب رب العالمين ، بل جعل من نفسه كما قلنا إله ، بخل و استغنى و عمي عن الطريق و لم يسمع النداء و اختل التوازن ، لقد دخل من باب فرعي على الصراط ، باب من أبواب الفتن أضاع فيه عمره و أفنى فيه وقته و شبابه ، فيسر الله تعالى له العسرى ، فما إن ينتهي من ابتلاء إلا و يأتيه آخر ، لأنه اتخذ هواه ألهه ..

فالبخيل لا يمتلك شيئا أصلا فكل ما عنده هو مستخلف فيه مسئول عنه ، فكيف يبخل بما لا يملك ، كيف يبخل بمثلك غيره كيف يبخل و في ماله حق معلوم للسائل و المحروم ، و كل من استغنى بماله أو جاهه أو ملكه و عصى الله تعالى و نازعه في أمره ، فهو يخرج عن حده من كونه عبدا فقيرا من شأنه الخضوع و الافتقار ، إلى أن طغى و بغى و اغتر بعدم الحاجة و الاضطرار فأوقعه غرور الهوى في أن يرى نفسه مستغنيا عن غيره لا يفتقر إلى أحد في قيام وضعه و تحقيق مراده ، فكان تكذيبه بسبب رؤيته لنفسه مستغنيا عن غيره كيف يستغنى عن ربه الغني ، لقد تجاوز حده و أصبح طاغوتا بأنه تجاوز حده و خرج من الفقر الذاتي إلى الغنى الذاتي باستعلاء هوى النفس في الإنسان و الاستكبار و الظلم و الطغيان و هو كل ما يعبد من دون الله عز وجل 0 إنه فرعون زمانه و طاغية أوانه ، إنه الذي عبد هواه ، إنه الذي استغنى

 قال تعالى :{ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) } عبس

قال تعالى :{ كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى (6) أَن رَّآهُ استغنى (7) } العلق

و قد سُمي الطاغوت طاغوتا لتجاوز الحد في كونه عبدا فقيرا زعم لنفسه أو زعم له غيره أنع علا في الكمال و استغنى عن الطلب و السؤال ..

و من المعلوم أن معاني العبودية تقوم على معاني الذل و الافتقار و الحاجة و الاضطرار ، و توحيد العبودية لله تعالى هو افراده بالطاعة و المحبة و التسليم و الافتقار بالخضوع و التعظيم

قال تعالى : { إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا (93(  } مريم

أي فقر اضطراري حتى أن الله تعالى بين أن عيسى الذي يزعمون أنه الله أو ابن الله أو كما يزعمون ، هذا الزعم باطل حيث أن عيسى عليه السلام يأكل الطعام و يمشي في الأسواق

قال تعالى : { مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (75( } المائدة

قال تعالى : { لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) } النساء

فعيسى عليه السلام ليس غنيا بذاته و إنما الله تعالى وحده هو الغني بذاته و ما سواه فقير إليه سبحانه فقرا ذاتيا ، ومن ثم فإنهم إذا التجئوا إلى غير الله تعالى ظنا منهم أنه موصوف بالغنى الذاتي ضيعوا أنفسهم و ضيعوا جميع الفقراء بذواتهم حين اتبعوهم , فمن اتبعهم قد كذب بنعم الله تعالى, و جحد فضله و صدق الفقر الذي على شاكلته  ,بل و دعاه و طلب منه الغوث !

فيسر الله تعالى له العسرى ، يسر له زيارة الأضرحة و دعاء الأموات فمنهم من قال :

وقفت بالذل في أبواب عزمكموا

مستشفعا من ذنوب عندكم بكم

أعفر الخد ذلا في التراب عسى

أن ترحموني و ترضوني عبيدكم

فإن رضيتم فيا عزي و يا شرفي

و إن أبيتم فمن أرجوه غيركم ؟!

أقول : ضيعوا أنفسهم و ضيعوا جميع الفقراء بذواتهم حين إتبعوهم في طلب المدد منهم و فسد الكون بشركهم لأنهم ركنوا إلى عاجز فقير بذاته ، لن ينصرهم إو يعطيهم شيئا

و لو كان من ركنوا إليه موصوف بالغنى على الحقيقة وموجودا كائنا بالفعل أو ولد للرحمن على الحقيقة لما منعهم من عبادته قال تعالى : { قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81( } الزخرف

لكنهم في الحقيقة أضعف من الذباب في فقرهم الذاتي,

قال تعالى : { يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74  ( } الحج

قال تعالى : { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) } العنكبوت

قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (194( } الأعراف

اخوتاه //

انهم ركنوا إلى فقراء بذواتهم من أمثالهم , و بالرغم من ذلك كان قيامهم الفعلي بإقامة الله تعالى لهم و قيام حوائجهم و بقائهم متنعمين بفضل رب العالمين و هذا عين الظلم الذي و عظ ” لقمان ”

ولده أن لا يقع فيه قال تعالى : { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13( } لقمان

فالله تعالى يخلق و هم يعبدون غيره و يرزق و يشكرون غيره !

[ منة القدير / ج 1 / د ـ محمود الرضواني ]

هذا الذي يسر الله تعالى له العسرى بأن أفهمه شيطانه أنه لو اعترض على أولياء الله بزعمهم ” أصحاب الأضرحة ” فإن العذاب سينزل عليه و سيلحق به العقاب و لعنة الولي ستطارده و تلاحقه في كل مكان !

لذلك عكف على قبورهم يطلب منهم بركتهم و يستعين بقوتهم ويطلب العون و المدد منهم , و توفير العناية و الحماية في أوقات الشدة والأزمات ، و نحن نرى كما قال ” الشيخ ” اجتماع الملايين على الموالد و الأضرحة في كل مكان 000

و مثل هذا الاعتقاد لا علاقة له بأصول الاسلام و مبادئ التوحيد و إن ادعى صاحبه حسن النية في تعظيم الأولياء و حب آل البيت..

قال تعالى : { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (106) } يوسف ...

هذا الذي يسر الله تعالى له من سوء نيته و فعله ووجهة قلبه المخازي والمهالك فتراه من بخله و ظلمه بعدم توحيده لربه ، و عدم اعطاء كل ذي حق حقه ، و استعلائه على مخلوقات الله تعالى بالباطل و استغنائه عن ربه عز وجل بعد أن مد له موائد العطاء و النعم و الاحسان ، تراه يكذب بالعطاء بل و يستخدم النعم في نصب العداء لله تعالى و لرسوله صلى الله عليه وسلم, يحارب الله و رسوله ،

هذا قد مهد الله عز وجل له طريقه إلى النار ـ عياذا بالله تعالى ـ و هو يحسب أنه يحسن صنعا

 قال تعالى : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104( } الكهف

يستدرجه بنعمه حتى إذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر ، يمهد له الطريق , و يفرشه له بالدولارات و الدينارت ويوقف له على جنبتي الطريق من يصفق له و يرفع له الرايات و الشعارات , و يفتح له أبواب السيارات ، و يقبل رأسه و كتفيه و يداه و يبالغ في مدحه و الثناء عليه بما لم يستحق ، فينتفخ بالطول والعرض و يُظهر التواضع و المسكنة رياء الناس,ورأسه قد تطاول الجوزاء زورا و بهتانا

000 إنه خشوع المنافقين عياذا بالله تعالى ، فلو كان صادقا ما جمعهم حوله وما استمع إلى طول مدحهم و لا سمح لهم برفع شعاراتهم  ولقال كلمة حق و ما كتم علما و لا ظلم أحدا ,و لا أراق دما و لهرب منهم و آوى إلى كهف الإيمان في نفسه يشكو إلى الله تعالى قبيح صنعه و يبكي على ذنوبه ، و يتبرأ من مدحهم او جهلهم   لعلمه أنهم لن ينفعوه بشيء إلا بشيء قد كتبه الله عز وجل له 00 فهم لا يملكون له نفعا و لا ضرا و لا حياة و لا نشورا و لا جزاءً 0

هذا الذي فقره في قلبه ، و ضيقه في صدره و عجزه في صمته عن قول الحق و كبره في نفسه  هذا الذي ضل الطريق و تجاوز الحد ، و انحرف عن جادة الطريق, فالبخيل أول ما يبدأ يبدأ بالبخل على  نفسه فلا يتعلم الحق ، و بالتالي يكره أصحاب الحق ، فلا يقرأ رسالة الحق ، بل يأخذ نعم و آلاء الله تعالى ولا يشكره ولا يعبده بل ينسب ما عنده من نعم لنفسه أو لاجتهاده أو لذكائه و هكذا 00 ثم يبخل بهذا على الناس المستحقة ، ثم تراه يستغني بما عنده و يطغى و يكذب بما عند الله تعالى و يبدأ يضل الطريق بالكلية و يجذب غيره إلى هذا الانحراف و من هنا تأتي النِحل و الفِرق الضالة و الأحزاب ..

فاستمع  لواحد منهم  قال الخُميني : إن تعاليم الأئِمة كتعاليم القرءان لا تخص جيلا خاصا و إنما هي تعاليم للجميع في كل عصر و مصر ” قُطر ” و إلى يوم القيامة يجب تنفيذها و اتباعها

[ إِحدى روايات الكافي ]

و الشيعة أيضا يدعون لأئِمتهم علمهم الغيب مع أن الله تعالى يقول :{ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26( إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27( } الجن

و يدعون أنهم يعلمون متى يموتون و أنهم لا يموتون إلا باختيار منهم , و أنهم يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة و الأنبياء و الرسل و أنهم يطلعون على علم اللوح المحفوظ و هكذا تجد شططا عجيبا و ترهات أجب 00 لماذا ؟

إنه الجهل الذي يُولد الظُلم بأنواعه و تأمل فِرق الخوارج و الشيعة بأنواعها و الصوفية و غيرهم كثيرا فماذا أغنى عنهم جهلهم أو ظُلمهم أو مالهم أو جاههم أو منصبهم و عشيرتهم ؟ !

ماذا أغنى عن أحدهم حزبه أو كرسيه أو وظيفته ؟ ما يغني عنه ما عنده إذا يسر الله تعالى له

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

بناء النفس !! كيف يكون

بناء النفس !! كيف يكون بناء النفس بناء يصل إلى عنان السماء ، بناء لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *