الرئيسية / مقالات / اختلاف مفهوم السعي بين البشر

اختلاف مفهوم السعي بين البشر

اخوتاه

مع إشراق الصباح كل يوم تتجسد الصورة و يكتمل المعنى للمتأمل حكمة ربه في خلقه ، أنه ارتباط العباد بالسعي ، و خاصة سعيهم بالنهار ، إنه يشبه نفرة الحجيج في الكثرة و الكم الهائل من البشر ، تتزاحم الأنفاس ، و تتعالى الأصوات ، و يشتد الزحام و تتنقل الخطوات ، ويتوافد البشر ذكور و إناث في قافلة الزمان ، و يعلوهم وهج الشمس الحارقة كل يسعى لمراده سواء كان خيرا أم شرا ، كل يغدو لما أراد ، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ، خطوات لأقدام متزاحمة تترك آثارها ليكتبها الملكين لكل منا ، إنه السعي في الحياة الدنيا ، سبحان الله ، الخالق العظيم ، أرى خمول الطين و ثقله بقدرة الله تعالى يتحرك و يسعى لحاجته ، و يتزاحم مع ذرات غيره ذرات و حسابات و أجهزة متراصة تعمل في صمت في جسد الإنسان تُتوج بروح من الله جل جلاله ، لذلك يغدو و يروح ، إنسان ثقيل بثقل الطين يتحرك و يمشي و يسعى !! وا عجباه من هذا الإنسان ..

كما كان يتحرك آدم في الجنة ، يتحرك أولاده أيضا بعضهم يتحرك في جنة الأرض ، و بعضهم انحرف عن الطريق , و لفظ ” شتى ” { إن سعيكم لشتى }

يشمل كل أجناس البشر الغربي والشرقي والأفريقي والأسيوي والأمريكي والأوربي ، حيث يختلف التوقيت و تختلف المشاعر و الأجواء و الطقوس و العادات و الأعراف ، تختلف الأذواق و العقائد و النيات و الهمم و المقاصد تختلف الرغبات و قوة الإرادات و الطاقات ، تختلف الأحكام الفقهية و التشريعات طبقا للزمان و المكان ، و من ثم يختلف سعيهم

و في زمان كزماننا تشعبت الأفكار و تعددت وسائل الترفيه و المُتع الدنيوية ، و تنوعت وسائل الراحة ، و أدوات العصر ، و على قدر هذا التنوع في وسائل الاتصال و غيره ، تتفاقم المشكلات بين الأفراد و تزداد تعقيدا ، لقد أصبح الإنسان عاريا أمام الإنسان ، بمعنى أن فكره منشور و عقله مباح لهذا و ذاك ، و أن قلمه مشاع لكل من دفع أكثر في المزاد العلني ، إنه زمن تفشي القلم و زيادة عدد الرويبضات ,

و لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرويبضة قال : “” الرجل التافه يتكلم في أمر العامة “” [ سبق تخريجه ]

لقد ازدادت النفس البشرية تعقيدا ، لتشتت فكرها و تنوع متطلباتها ، وكثرة الفرق و الأحزاب و النِحل من حولها 00 لقد تفرعت نفس الإنسان إلى دقائق لا تحصى ، لذلك تجد التقنية الحديثة و كأنها تحاول أن تسد فراغ نفسه ولكن هيهات هيهات كيف تسد جوع و ظمأ روحه ، كيف تجدد له إيمانه ؟!

فكل دقيقة في جديد في هذا العالم لأن كل دقيقة هناك طلبات للنفس ، فالنفس لا تكل و لا تمل ، لذلك خاطبها إبليس ب { هل أدلك على شجرة الخُلد و مُلك لا يبلى } الخُلد و المُلك !

أصبح إنسان اليوم قليل الحيلة ، ضعيف البنية ، شارد الذهن ، مضمحل الفكر ،كثير النسيان حتى الاطفال

تائه عن مراده ، فلما صارت طلباته مُلحة و هو قد لا يشعر و لكن الله يعلم مكنون نفسه ، فيسر له راحته التي ينشدها ، لقد أوقفه الله جل جلاله عند منحدر أو منعطف لا يقدر على مواصلة الحياة إلا في هذا المنحدر ، ليظهر عجزه و قصوره ، لقد مد الله جل جلاله له وسائل المعيشة و يسرها و نوعها ابتلاءا له فتنوع السعي ، وازداد ضعفا مع ضعف الإنسان نفسه فهل يتحمل إنسان اليوم الحياة بدون جوال ؟ ، بدون فضائيات ؟ ، بدون فيس بوك و نت و شاشات وغير ذلك ، مئات القنوات الفضائية ، زخم إعلامي شديد ، ثرثرة و لغط و قيل و قال ، همز و لمز و قذف ، فضائح يومية ، عداء و تطاحن و شراسة و سخرية ، هذا هو سعي الإنسان اليوم إلا من رحم ربي ..

أين حسن الأدب و العشرة الطيبة و الوفاء بالعهد و الأمانة ؟

أين علاقة الجار بالجار ؟ أين وأين ؟

تنوعت حاجات الدنيا و كشفت عن زهرتها  قال تعالى { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه,  ورزق ربك خير و أبقى }

تنادي أهلها ليزدادوا حرصا وولعا بها ، يمدهم الشيطان ويمنيهم و يطيل لهم الأمد ، فيغرقوا في بحارها وتعلوا الأمواج وتكاد أن تأتي على بقيتهم ، و لكنهم لا يزالون مخمورين بخمرها ، يلهثون وراء موضاتها و أطعمتها و أشربتها ، يجمعون  دولاراتها ، يتابعون أسهم البورصات بشغف ، يطيلون في المباني و يمدونها ، يزخرفون مساكنهم و مساجدهم..

قال تعالى : { ياأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا و لا يغرنكم بالله الغرور }

[ فاطر/ 5 ]

تأمل مدى تنوع الخبز و أصنافه ، الفاكهة و أنواعها هذا تركي و هذا هندي و هذا سوداني أو حجازي ، هذا مصري و هذا أمريكي و كل نوع له حجم و مذاق و سعر و شكل و رائحة ، لقد فتحت الدنيا أبوابها على مصراعها لتستقبل روادها و أحبابها ..

عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه قال : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر و جلسنا حوله فقال : ” إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا و زينتها ” متفق عليه

إنها الدنيا التي يغشاها الليل بظلامه و النهار بجلائه , إن المتأمل لدورة الليل و النهار يرى ضرورة دراسة كل بقعة يقع عليها الليل و النهار ، يجب ملاحقتهما بالدراسة و البحث لمعرفة حكمة الخالق جل جلاله

كتبه/ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *