البخل

(( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) ))

 اخوتاه

كثُر خير الله تعالى لعباده سواء المؤمنين المتقين المصدقين , أو للكافرين البخلاء الذين استغنوا و كذبوا بعطاء الله تعالى فكيف يبخل الإنسان بما أعطاه الله تعالى فهو ينفق مما آتاه الله تعالى 0 و الحقيقة أن العطاء يكون بعقيدة والبخل يكون بعقيدة أيضا ، قد علمنا عقيدة الإنسان الذي يعطي 00 أما عقيدة البخيل أنه إذا ما أعطى فسينقضي ما عنده ، أو ربما يصيبه الفقر أو ربما بعد ذلك يقع من عين الناس ويحتقرونه , لذلك هو يحرص كل الحرص على ما عنده 0 و في الحقيقة أن الذي بخل قد قطع علاقته بربه واعتمد على نفسه و ما يملك على سبيل الاستخلاف و هذا هو الظلم بعينه ” ظلم الإنسان لنفسه و للآخرين ” ، لم يتذكر أنه لم يكن شيئا و أنه خُلق من عدم ثم رباه الله تعالى و غذاه بنعمه ، فلما اشتد عوده و حملته قدماه و قوي ساعده بخل و استغنى و منع ن فعلى الإنسان أن يتأمل ماضيه ، يُقلب صفحات طفولته و شبابه ، من الذي خلقه ، من رباه بنعمه و آواه و كفاه ، لقد نسي كل هذه العطاءات و تذكر فقط ” الأنا ” هذا البخيل ، بخل عن نفسه ، منع عن نفسه الخير بأن نسب العطاء لنفسه ، لقد فسدت منظومة جسده ، أضاع لغة قلبه ، لأن النداء الفطري الطبيعي للقلب أن يهتف بعطاء الله تعالى { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ (50) } طه

لقد أنكر عطاء ربه ، و أعطى الفضل لنفسه ، و هذا أعلى درجات البخل ، بخل أن ينسب العطاء لربه ، نسي ربه فأنساه نفسه ، أنساه ضميره ، عقله ، بصره ، سمعه و أنساه قلبه ، أنساه فكره و تدبره ، و كانت النتيجة أن استغنى بنفسه أو بما يملك 00 من حطام الدنيا الزائلة و ما علم المسكين أنه ربما يكون مُستدرج بما عنده و كأنه كلما مُد له في العطاء بخل و استغنى ، لقد غره حُلم الله تعالى عليه { يا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) } الانفطار

لقد مد الله تعالى له من المال و من الأولاد و من العافية و من المُلك و من الجاه و المنصب حتى ظن أنه امتلك الدنيا فلم يعط و لم يعزو النعم إلى الله تعالى , بل استغنى بما عنده و كذب بكل عمل خير..

قال تعالى: { كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى } [ العلق 6/ 8 ]

و البخل ليس معناه أنه بخل عن العطاء , بل البخل أنه نسب العطاء إلى نفسه , ومن المعلوم أن نفسه فقيرة ، موصوفة بالفقر الذاتي ، فالفقر سمتها  والعوز والحاجة وصفها ثم شيء آخر لا يقل خطورة عن فقر النفس ، و هو أنه ظن أن هذا العطاء يستحقه , فهو العبقري الذكي الألمعي ،

قال تعالى {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } [ القصص / 78 ]

و ما علم أنه خرج من بطن أمه لا يعلم شيئا ، لقد غرته نفسه الأمارة بالسوء ، و غره شيطانه و فتح له باب الفقر الذي لا يُغلق ، لقد دخل العبد من باب الفقر وهو يظن أنه دخل باب الغنى و العلو ، فما أفقره و ما أحوجه ، كيف يصبح غنيا و قد استغنى عن ربه الغني الحميد ، كيف و قد سد عن نفسه باب الغنى العالي ، كيف و قد أساء الظن بربه , كيف وقد جهل حقيقة الغنى و الفقر ، ووزن الأمور بعقله ، و خاف الفقر و لم يخف ربه الوهاب ففرح بدنياه  وأطلق العنان لقلبه أن يفرح بالباطل ، جمع طعام الدنيا و حرص عليها ووضع الجدر و الأسوار بيده حول قلبه و رفع الجدران ظنا منه بأنها جدر حماية و حتى لا تناله أيدي المحتاجين.

 قال تعالى { وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42)} الكهف

فالجزاء من جنس العمل فكما أحاط بماله و ببستانه ، أحاطه من كل يد تمتد إليه ، ظنا منه أن يحفظه و يزيده و ما علم أن هذا عين الهلاك و الدمار ثم في الآخرة

قال تعالى :{ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا (29) } الكهف

الترتيب المنطقي للنفس الامارة بالسوء

لقد وضع قلبه في خزينة المال وأغلق بالقفل , وأحكم الإغلاق ومشي في الدنيا بدون قلب ، فنسي نفسه و نسي ما يحيط به و صار أصم و أبكم و أعمى ، فلماذا يسمع و لمن يتكلم وماذا يرى فهو لا يسمع إلا صوت عدد ” رنين ” الأموال ، لا يسمع إلا صوت نفسه وهو يتكئ على كرسيه و يضحك ، يدور بكرسيه يُمنة و يُسرة و هو يقلب الأموال بين يديه ، يسوي صفوفهم في الخزينة و يتأملهم ، يكلمهم و لا يرى غيرهم ، ظن أنه يمتلك الدنيا ، يأمر و ينهي و لا يصدق إلا نفسه ، اعتقد أنه بماله يحي و يميت ، فلا المرض يهزمه و لا الفقر يرعبه و لا الوحدة تقلقه و لا الاتهام يوجعه ، و لا الموت يفزعه ، لأنه يظن أنه بعيد عنه أو أنه لن يموت اصلا ! غيره يموت نعم أما هو فلا !

هذا الذي قال بلسان المقال و الحال : { وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا } [ الكهف / 34]

هذا الذي قال : { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا } [ الكهف 35 ]

هذا الذي قال : { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً } [ الكهف / 36]

هذا الذي قال : { وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا } [ الكهف / 36 ]

هذا الذي قال : { قالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي ۚ }[ القصص / 78 ]

هذا الذي قال : { أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } [ الزخرف / 51 ]

هذا الذي قال : { أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ } [ الزخرف / 52 ]

هذا الذي قال : { فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ }  [ الزخرف / 53 ]

هذا الذي قال : { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ } [ غافر / 36]

هذا الذي قال : { آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ } [ طه / 71 ]

هذا الذي قال : { فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } [ طه / 71 ]

هذا الذي قال : { سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف / 127]

هذا الذي قال : { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي } [ القصص / 38  ]

هذا الذي قال :{ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ } [البقرة / 258 ]

سبحان الله { تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ } [ البقرة 118 ]

إنه الترتيب المنطقي لتطور النفس الأمارة بالسوء ، النفس الخبيثة التي تريد العاجلة و تحب الدنيا أول الأمر كان حب المال و الأولاد و الجاه و المنصب ثم ينسب هذا العطاء إلى نفسه الفقيرة ، فيبخل ، لأن الفقير في ذاته يبخل ، ثم يطلب المزيد فيُمد له العطاء ليُستدرج به ثم يعتقد أنه المالك الحقيقي للملك فيطغى على عباد الله و يظن أنه يحي و يميت فيأمر بقتلهم و سفك دماءهم أو اطلاق سراحهم و فك أسرهم و هكذا 00 فبعد أن نسب عطاء الربوبية لنفسه ادعى زورا و بهتانا و ظلما و علوا بغير حق أنه رب بل إله { ما علمت لكم من إله غيري }  و هكذا فعل النفس الأمارة بالسوء و غرور الشيطان ، و أصل هذا الجهل بالله تعالى و الجهل بالنفس و الجهل بصفات الله و أسمائه الحسنى ، فهذا الجهل تولد منه الحرص على الدنيا و حب العاجلة ثم كفر النعمة و ظلم العباد و ظلم نفسه ثم الكفر بالله عياذا بالله تعالى 0 و الطغيان لذلك كانت بداية رسالة الله عز وجل لنا ” اقرأ ”

قال تعالى{ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا } [ طه / 114 ]

كتبه واعده / ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *