الرئيسية / مقالات / التوصيف الدقيق لمعاني العطاء

التوصيف الدقيق لمعاني العطاء

أعود معكم عودا كريما لأصل موضوعنا  و هو العطاء لله تعالى ، فالله عز وجل له عمل في النهار لا يقبله في الليل و له عمل في الليل لا يقبله في النهار و هكذا لأن الله تعالى يحب العبد الذي يسير على منهجه  و شرعه

لقوله صلى الله عليه وسلم [ ” أبدأ بما بدأ به ربي ” { إن الصفا و المروة من شعائر الله } أبدأ بالصفا ” ]

والله تعالى بدأ بالليل ، فالظلمة مقدمة على النهار

وعمل النهار لا يقبله الله تعالى بالليل , وعمل الليل الذي لا يقبله بالنهار : هما صلاة الظهر و العصر و قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : ” من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله و ماله ” و في صحيح البخاري  ” من فاتته صلاة العصر حبط عمله “

[ مجموع الفتاوى لابن تيمية ]

و في صحيح مسلم  ” إن الله عز وجل لا ينام و لا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط و يرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار و عمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى أليه بصره من خلقه ”

سبحانه و تعالى { كل يوم هو في شأن }

توصيف دقيق لمعاني العطاء 

اخوتاه

كثير من الناس لا يعُد الابتلاء عطاء .و لكن الصحيح أنه للمؤمن عطاء وهل عند المؤمن شك في ان  الله تعالى يريد له الخير!

و أقول إن جاز التعبيرهل الشمس تحتاج إلى دليل على وجودها وهي ساطعة في وضح النهار ؟ هي مُسخرة ,مخلوقة لله تعالى  ,ولله المثل الأعلى  فكيف بالله تعالى وهو دليل كل شيء ؟؟؟

فإذا كان العبد مؤمن بوجود الله تعالى و أنه سبحانه هداه الى الإسلام فلماذا لا يوقن أن ما أراده الله تعالى له خيرا سواء في السراء أو الضراء , لكن الله تعالى بين نفسية و تركيبة الإنسان بوجه عام في قوله تعالى : { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعمه فيقل ربي أكرمن (15) و أما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل تكرمون اليتيم (17) و لا تحاضون على طعام المسكين (18) و تأكلون التراث أكلا لما (19) و تحبون المال حبا جما (20) }الفجر

قال ابن كثير رحمه الله : يقول الله تعالى منكرا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع عليه في الرزق ليختبره في ذلك فيعتقد أن ذلك من الله اكرام له و ليس كذلك بل هو ابتلاء و امتحان.

قال تعالى { أيحسبون أنما نمدهم به من مال و بنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون } المؤمنون

و إذا ما ابتلاه و امتحنه و ضيق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله اهانة له 0

قال : كلا ليس الأمر كما زعمت لا في هذا و لا في هذا ، فالله يعطي الدنيا لمن يحب و من لا يحب و إنما المدار في ذلك على طاعة الإنسان لربه في كل من الحالين إذا أعطاه ووسع عليه شكر و إذا ضيق عليه صبر 0 هذا هو المعتقد السليم

و ليس العطاء دليل حب الله تعالى للعبد

و ليس المنع دليل كره الله تعالى للعبد إن المنع قد يكون عين العطاء

فالإنسان يرى العطاء فيما ينفعه في الوقت الحالي ، فهو ابن الوقت و لا يرى على المدى البعيد إلا المؤمن الواثق في ربه و في عطائه ووعده الصادق

و نسي العبد قوله تعالى : { و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون }

فقد يكون صلاح الإنسان في مرضه أو في فقره أو في حرمانه من الذرية أو في إعاقة ما فعليه الصبر و الرضا و الشكر و أقل أحواله الصبر

و هناك من الناس من لا يصلحه إلا الصحة و العافية و الغنى و الأولاد 00 فالله تعالى هو العليم بما ينفع الإنسان 00 إنه تقدير الله الحكيم

قال تعالى : { كل نفس ذائقة الموت و نبلوكم بالشر و الخير فتنة و إلينا ترجعون } الأنبياء

وقال تعالى{ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا }الكهف

و الله تعالى يعطي الدنيا للمؤمن و الكافر ، هذا عطاء عام فهو الرحمن ، أما عطاؤه لأوليائه من المؤمنين الصالحين العاملين له سبحانه هو الآخرة ” الجنة و النظر لوجهه الكريم ”

قال تعالى : { و الآخرة خير و أبقى}الاعلى

{ و لدار الآخرة خير و لنعم دار المتقين }النحل

{ و الآخرة خير لمن اتقى } النساء

و قد ثبت أن أشد الناس بلاء هم الأنبياء  ,

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشد الناس بلاء ؟ قال : ” الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبتلى العبد على حسب دينه فما يبرح بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ”

أليس هذا أعظم عطاء ؟! إنسان غُسل من الخطايا كيوم ولدته أمه 0

و لهذا كان الصالحون يخشون على أنفسهم إذا مر عليهم زمن لم يتعرضوا فيه للابتلاء في أنفسهم أو أهلهم أو أموالهم 00

جبلت على كدر و أنت تريدها **** صفوا من الآلام و الأكدار

هذه سنة كونية في الحياة الدنيا 00 فهي دار الابتلاء قاعة امتحانات و الامتحان فيه السهل و الصعب و عليك أن تجتاز الامتحان و تنجح 00

{ و ما توفيقي إلا بالله } فالابتلاء عطاء والعطاء يشمل منح النعم و منعها ,

والهداية سواء هداية البلاغ أوهداية التوفيق نعمة من الله تعالى ,

أليس الابتلاء تمحيص للعبد و تهذيب له و زكاة لنفسه ، و تطهيرا لروحه ، و تخلية من الشوائب و الدغل و الدخن ، أليس كل هذا عطاء أليس تكفير السيئات و رفع الدرجات عطاء للمتقين ؟

روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : “ من يُرد الله به خير يُصب منه “

” ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها “

حتى إذا تكاثر عليك البعوض في فصل الصيف و اجتمع عليك الحر مع ضيق المكان و زحمة الأنفاس و ثُقل الديون و قطع النبات و كثرة الأشغال و الفتن ، كل هذا خير لك و يُعد من العطاء

اخوتاه //

الموت عطاء !!

حتى أن الموت نفسه يا أحباب يُعد عطاء أليس ينتقل المؤمن من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة إلى أجر و مغفرة و عفو و سعة في مقام أمين عند رب العالمين ، أما نزل ضيفا عند الله الكريم فما ظنك بكرمه إذا قدم إليه عبده ؟! أليس هذا عطاء ؟

بلى إن موت الظالم عطاء ، فقد مُنع ظلمه وارتاحت الأجواء من أنفاسه ، و خُلي مكانه وارتاح كاتبي أعماله ، الملائكة الكرام و سلمت منه الدنيا بموته إن كانت سيئاته ماتت معه

لكن المشكلة أن يموت يوم يموت و تبقى سيئاته تجري بشرها وراء الناس و تلاحقهم فكم من ناس ماتوا و تلاحقهم لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين …

قال تعالى : { إن الذين كفروا و ماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين } البقرة / 161

** معنى الغنى و العطاء **

و لنعلم كما قال ابن القيم رحمه الله : إن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم لا ينفك عنهم كما أن كونه غنيا حميدا و كونه محمودا على عطائه الدائم وصف ذاتي له ، فغناه و حمده ثابتان له لذاته و بحكم معني الربوبية لا لعلة أو سبب أوجب ذلك الغنى ، و فقر من سواه أليه فقر ذاتي ثابت لذاته بحكم معاني العبودية لا لأمر أوجب ذلك الفقر ، فحاجة العبد إلى ربه أمر ذاتي يمثل فطرة العبودية

والفقر لي وصف ذاتي لازم أبدا  * كما أن الغنى أبدا وصف له ذاتي

فالفقير بذاته محتاج إلى الغني بذاته ، فالله تعالى هو الذي يغني من سواه و الذي أغناه لا يُتصور أن يصير بإغناء الله غنيا مطلقا فهو يحتاج إلى من أغناه ، و العبد طالما يحتاج إلى غيره من البشر فغناه زائل ، وهو فقير ، أما إذا كانت حاجته إلى الله فقط فهو غني لاتصاله بالغني الحميد و يطلب الغنى منه قال تعالى : {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) } النجم

[ منة القدير / د ـ الرضواني (1) ]

فإذا أيقن العبد و صدق أن رزقه على الله تعالى أعطى و ما بخل لعلمه أن الله سبحانه سيخلف عليه أضعاف ما أعطى علم أن آخر رزقه من الدنيا أول رزقه من الآخرة !

فإذا أيقن بذلك اطمأن قلبه إلى أن حوائجه ستقضى و أنه لابد من وصول الرزق إليه في وقته ، فلم يكن عليه إلا مراعاة الأحكام و تمييز الحلال من الحرام 0

و هولا يعطي إلا بعد أن يأخذ نصيبه من العطاء من الله تعالى فهو يعطي من عطاء الله تعالى روى ابن ماجة و صححه الألباني عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” أيها الناس اتقوا الله و أجملوا في الطلب فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها و أجلها و إن أبطأ عنها فاتقوا الله و أجملوا في الطلب ، خذوا ما حل و دعوا ما حرم ”

[ صحيح الترغيب و الترهيب / 1698/ السلسلة الصحيحة / 2607 ]

كما كان سليمان عليه السلام أوتي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده

و كذلك إبراهيم و شعيب و الأغنياء من الأنبياء عليهم السلام

و كذلك أغنياء الصحابة فهؤلاء لم يخرجوا من ملكهم الظاهر الذي ابتلاهم الله تعالى به ” مُلك مستعار ” على سبيل الأمانة فلا يرون لأنفسهم مُلكا حقيقيا بل يرون كل ما في أيديهم أمانة ووديعة استرعاهم الله تعالى فيها و ابتلاهم بها ، لينظر كيف يعملون هل يتصرفون فيه تصرف العبد أو تصرف المُلاك الذين يعطون لهواهم ويمنعون لهواهم 0

اخوتاه //

و وجود المال في يد العبد الفقير لله تعالى لا يقدح في فقره لله ” فهو و إن ملك فقير في ذاته إنما يقدح في فقره لله رؤيته لمُلكه و ملكيته قال تعالى { كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ  (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ  (7) إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ  (8) } العلق

فمن عافاه الله تعالى في الدنيا و لم يتلوث باطنه بأوساخ المال و تبعاته و كان كالخازن الأمين لسيده الذي ينفذ       أوامره في ماله فهذا لو كان بيده من المال أمثال الجبال لم يضره 0 لأنه عرف حق ربه فيه و لم يبخل بل أعطى عباده ما يستحقون

و من لم يعاف من ذلك أصبحت الدنيا أكبر همه و مبلغ علمه إن أعطاه الله تعالى رضي و إن منعه سخط وبخل , فهو عبد الدينار والدرهم ، يصبح مهموما و يُمسي كذلك يبيت مع ماله ،

و تفرح به نفسه ، يفرح بزيادته و يحزن لنقصانه و يحزن و يجزع و يأسف إذا فات منه شيء ، بل يكاد يموت إذا توهمت نفسه الخسارة و الفقر !

[ منهاج السُنة النبوية / لابن تيمية / بتصرف ]

إن الذي يعطي و يتقي و يصدق بالجزاء على العمل الصالح من الله عز وجل فإن الله ييسر له اليسرى ، هذا الذي استغنى بمولاه المالك الحق الذي بيده خزائن السماوات و الأرض فهو مطمئن إلى ربه فإذا أصاب ما عنده مصيبة ما رأى أن المالك الحق هو الذي أصاب مال نفسه فما للعبد و ما للجزع و الهلع و إنما تصرف مالك المال في ملكه الذي هو وديعة في يد مملوكه ، فله مطلق الحكم في ماله و مُلكه ، إن شاء أبقاه و إن شاء ذهب به ، فلا يتهم مولاه في تصرفه في ملكه ، و يرى تدبيره في بالغ الحكمة ، فيصبر و يرضى و يشكر فهو غني به و بحبه و معرفته و قربه ، هذا الذي برأ من رؤية الملكية الموجبة للطغيان

قال تعالى  {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىأَن رَّآهُ اسْتَغْنَى }

لم يقل : كلا إن الإنسان ليطغى إن استغنى بل جعل الطغيان ناشئا عن رؤية غنى نفسه و الذي يعطي يرى في نفسه الفقر مهما أعطى فهو يرى الفقر في اعداده حيث الضعف و كبر السن و خور الجوارح ويرى فقره في امداده بالقوت و الرزق ,والنعم الظاهرة والباطنة , فلولا فضله و احسانه و تيسيره الأمور لما حصل له من الرزق و النعم شيء ، يرى فقره في صرف النقم عن نفسه و دفع المكاره و ازالة الكروب و الشدائد ، فلولا حماية الله له و رعايته لهلك ، يرى فقره في تربيته بأنواع التربية و أجناس التدبير ، فلولا الله لهلك و فسدت روحه و فسد قلبه وحاله و قصرت يده عن العطاء و سكنت جوارحه عن العمل و الحركة 000 فلولا تعليمه لم يتعلم و لولا تدبيره و توفيقه لم يصلح [ تفسير السعدي بتصرف ]

العبد الذي يعطي من فضل الله تعالى هو أعلم الناس بفقره و يعلم سر غناه ، روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : ” ليس الغنى عن كثرة العرض و لكن الغنى غنى النفس ”

[ خ / 5/ 2368 (6081) م / 2/ 726  (1051) ]

هذا الذي ربما لا يأبه له ، و تراه فقيرا محتاجا و لكنه غني النفس عفيف الحال صامت اللسان لا

يشكو حاله إلا لربه عز وجل ” رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره ” هذا خير

من ملء الأرض مثل هذا الذي من أشراف الناس ، غني عند الناس له وجاهة و سمعة و صيت

كتبه/ام هشام

شاهد أيضاً

بناء النفس !! كيف يكون

بناء النفس !! كيف يكون بناء النفس بناء يصل إلى عنان السماء ، بناء لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *