الرئيسية / مقالات / الحرمان

الحرمان

الحرمان

تاه مع التائهين في منطقة التيه ولم يقابل ربه و لم يستمع إليه ، بل أدبر و تولى و كذب بالطور و بالكتاب المسطور, وعمي عن الرق المنشور, فحُرم البيت الحرام ودعاء أهل البيت المعمور 000 و ترك مكانه خاليا تحت ظل عرش الرحمن تركه لغيره ، ترك ميراثه ، جرد نفسه من الغنى العالي و استبدله بفقر الدنيا فغنى الدنيا فقر و إن امتلك منها ما امتلك !

هذا الذي لم ينعقد عقد الإيمان في قلبه, وعاش بمنهج الشيطان, فهوى قطاره السريع إلى البحر المسجور, إنه لم يوقع على العهد مع الله تعالى ليس له عهد ، حرم نفسه من شرف حمل الأمانة من شرف العبودية لله وحده لا شريك له سبحانه 00 فهو محروم 00

إنه المعاند و المكابر والمتعالي ، إنه المكذب الذي لا يطيق إلا التدني و السفول ، صاحب النظرة السوداوية للحياة ، متطرف يرى بعين الشيطان ، و كأنه الدجال إن هذه الآية تُعد اسقاطا على رؤوس المكذبين 0

هذه النفوس التي منطقت الحياة على هواها, فكما أن أهل الهدى يطمئنون إلى ربهم ، فكذلك أهل التكذيب يطمئنون إلى دنياهم ، و يقتنعون بها ، فالباطل فيه ما يشغل أصحابه ، إنه منهج

كما أن الحق منهج ، و معنى هذا أن صاحب الباطل لا يؤمن بيوم الدين ، فلا تراه يؤمن لا بجنة و لا بنار هو لا يؤمن إلا بما يراه من نفسه ، لا يؤمن إلا بما يرى حوله و أمامه ، فهو لا يكذب بقوله ، إنما يكذب بأدائه و سلوكه و فعله قال تعالى :

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ  000 (25(  لقمان

النفاق وشره المستطير

فقولهم غير فعلهم يقولون الشيء و يلبسون ردائه أمام الناس , يعني : يكلمك عن الرحمة و الرجاء ، و الصدق و الأمانة و تجده ملتحيا متسوكا مقصرا الثوب يلبس رداء الدين و يتكلم بلسان الدين, ولكن فعله و معاملاته و أخلاقه و سلوكه و عقيدته تكذب قوله ! إلا من رحم الله قال تعالى : { 000 إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ 000 (24) ص

تجده كاذبا مرتشيا ، لصا قاطعا لأرحامه هاجرا لزوجه ,عاكفا على المعاصي 000 شيطانا مريدا ، لكنه أمام الناس يبدو مَلكا رحيما ! إنه النفاق عياذا بالله تعالى ،

ولذلك خربت البلاد و ضل العباد إلا ما رحم ربي ، ظهر العوار وأنتنت الضواحي بزخمهم و أصبحت الأمة في ذيول الأمم بسببهم ، بأيديهم يخربون بيوتهم ، و يحسبون أنهم يحسنون صنعا

إنهم يبنون بناءً زائفا ، يضعون لبِناته كل يوم لبِنة لبِنة ، بناءً داخليا في أنفسهم رغم أنهم في بداية الطريق, و مع أول اللبنات سمعوا أنين الفطرة السليمة بداخلهم , ولكنهم لم يبالوا بهذا ,رأوا جيناتهم تتحول في الداخل من الإيمان للكفر , و كأنهم لا يرون ، لقد عقدوا العقد مع الشيطان و كتبوا شروط البيعة ووقعوا عليها فهم لا يخونوا الشيطان ! إنما خانوا ربهم عز وجل  فرسخت عقيدة الكفر داخلهم و أنبتت كل ما هو مؤلم و مُر ، أنبتت شجر الزقوم بداخلهم و سقوها بالحميم فتجرعوا منها المُهل و الحميم و الغسلين , وأكلوا الضريع و الزقوم ,عياذا بالله تعالى

أهل النفاق يحسبون أنهم على صواب و يظنون أنهم يخدعون غيرهم ، و أن لهم حصانة و أن حصنهم قوي وحجتهم دامغة ، وغرهم بالله تعالى الغرور, ومضوا على سُنة آباءهم و أجدادهم من أهل الزيف و الضلال 000 حتى أن أحدهم لا يصدق أن هناك بعد الحياة موت و بعث و سؤال و جنة أو نار,  تراه يسأل بغباء و استهزاء

كما قال تعالى : { قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) } طه

و لسان حاله أن أمم جاءت و ذهبت و ما سمعنا أنهم عُذبوا و حُرِقوا و قُطِعوا 000 عاشوا حياتهم ثم انتهت حياتهم كورقة النبات الأخضر تعيش على الشجرة ثم تصفر و تذبل و تقع بشكل طبيعي و هكذا 000 !

يقصد أن الأمر يمضي بشكل عادي ما في أدنى مشكلة , والجمع حماية له وجنده حراسة له

وأولاده عِزٌ له ، و ماله سيخلد ذكره وسلطانه سيمجد اسمه ، فما عاد هذا الصنف يسمع إلا نفسه لقد توحد مع الفكرة ، رسخت هذه العقيدة في سويداء قلبه مهما سمع من المواعظ .

و بعد ما توحد مع فكره وعقيدته انقسم على نفسه حدث له انفصام في شخصيته ، صارت ذراته منقسمة متفككة ، و مع ذلك لا يزال يبني بناؤه الذي يقوده يوما ما إلى هذا البحر المسجور ، و كأن بناؤه الذي قاده قنبلة موقوته أو صاروخا مشحونا بمواد كبريتية نارية ستنفجر حتما في هذا البحر المسجور ، فتعلوه نيران بناؤه و نيران البحر فهو مغمور كالغريق وسط النيران ، أنت تسمع كلمة البحر و تظنه بحرا كبقية البحار ، الشكل شكل بحر و الاسم اسم بحر و لكن الحقيقة مختلفة تماما عما في ذهنك , ألم تسمع قوله تعالى في سورة نوح : { مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا  (25) } نوح

فدائما الكافر أو المنافق أو الملحد أو المشرك الذي مات على هذا ، يظن أنه على صواب ، لا يتوقع الشر أبدا ، لأن الذي بناه في نفسه يطمئنه ، الذي أرساه على الأرض يُسكنه و يهدئه ، أصحابه يثبتونه على ما هو عليه ، قرينه يؤيده و يشجعه و يُمنيه و يَعده بالخير 000 و ويباركه 000 و يُيسر له ما يزعم أنه خير و يُزينه له 00 فمن أين يأتيه الشر ؟

قال تعالى : { أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ 000 (8) } فاطر

و لذلك تأتي الآية صادمة له ، تدهشه و تكسره و تلقي به إلى هاويته المحتومة { و البحر المسجور } إن الكارثة تفاجأه قال تعالى : { لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) } الأنبياء

يرى الآن ما لم يكن يظنه أبدا,  ولذلك أسمع صوت النبي محمد صلى الله عليه وسلم يدوي و إلى الآن و هو يخاطب موتى الكافرين في بئر القليب عن عائشة رضي الله عنها : ” يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا ”

و في رواية أنس بن مالك ” يا أهل القليب يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة و يا أمية بن خلف و يا أبا جهل بن هشام 000 هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا ”

إنها رؤوس الكفر التي نشأت على الباطل وعاشت و ماتت عليه , لقد أذهلتهم سياط العذاب و أردية السواد و أفاعي طوال الجبال ، وسموم و هموم ، الله بها عليم و لكنهم يعيشون وسط الناس , و قد أرخى على الجميع ستره إلا من أبى ستر الله تعالى و فضح نفسه على الملأ ، فهم يشبهون الناس في أكثر الأمور و هم يريدون الحياة الدنيا ، و يعيشون على قانونها منفصلين عن الآخرة ، و من ثم هم مكذبون بها ، فهم يحافظون على مكتسباتهم من الدنيا فقط إنهم تجرأوا على فطرة الله تعالى التي خلقها فيهم ، إذ لم يعد عندهم خوف من الله تعالى رغم الاشارات و الرسائل التي تحيط بهم من الله تعالى لكنهم تغافلوا و تجرأوا على محارم الله تعالى و حدوده إنهم يطمسون الحقيقة , ويزيفونها ويدافعون عن الكذب فهم لا يتقوا الله تعالى ، و لم يطرقوا بابه سبحانه و تعالى,  بل طرقوا الأبواب التي على جنبتي الصراط وأفنوا أعمارهم فيها ثم تهاوا في النار عياذا بالله تعالى ، في البحر المسجور ……

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

(( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8) ))

(( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8) )) & لمن العذاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *