الرئيسية / مقالات / الحياة الطيبة

الحياة الطيبة

قال تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97(  } النحل

إن الذي يعلم ما يسعد الإنسان و يُفرح قلبه هو الذي خلقه و أوجده و هو الله عز وجل ، فلا سبيل للإنسان الباحث عن العلو الحقيقي و السعادة والعيش الطيب إلا بمعرفة السبيل إلى ذلك عن طريق خالقه و فاطره عز وجل 0

فالآية ذكرت لنا طرفي المعادلة //

الطرف الأول / العمل الصالح و الإيمان .

و الطرف الثاني/ الحياة الطيبة بالإضافة إلى الجزاء الآخر فالطرف الأول شرط لتحقيق الطرف الثاني.

و قد جعل الله تعالى الحياة الطيبة لأهل معرفته ومحبته وعبادته أنها الحياة الطيبة ، إنها القناعة و الرضا و الرزق الحلال وفوق ذلك أنها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان,

ومعرفة الله تعالى و محبته و الإنابة إليه والتوكل عليه , فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها و لا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة.

أصبح هذا الأنسان يحمل نفسا ملائكية ، هو أقرب إلى الملائكة بشكل كبير ، بمعنى أنه لا يرضى إلا بكل عالي و سامي و طاهر ، تراه يشبه البشر و لكنه يحمل نفسا ملائكية ، نفسا مطمئنة راضية مرضية تقية ، يسير على الأرض بنفس ملائكية علوية ، لا يرضى بالدون , نفسه تؤرقه تقلقه ، لا تدعه يعيش لمجرد المعيشة نفسه تواقة عالية ، لكل شريف ، و لذلك تراه يحبس حواسه عن فضول الرؤية و الشم والسمع واللمس و الكلام ، تجده لا يخوض مع الخائضين ، و يضن بوقته على البشر إلا في الصالح العام لهم ، تراه يسحب بساطه من تحت أقدام الناس و يغسل يده منهم إلا في فعل الخير لهم ، لقد أصبح خفيا تقيا نقيا ، مثله مثل الملائكة فكل من نظر إليه وقره و أحله و احترمه ، و كل من نظر إليه تذكر الله عز وجل ، و هو لا ينشغل إلا بكل جميل ، إنه رجل مُلهم و له شُغل مع ربه لا يعلمه إلا الله تعالى ، و لا يكافئه عليه الا الله تعالى ، هيئته هادئة تبعث على السكينة ، فهو يحب الأمن و الأمان ، و يتحل بفكره و قلبه و روحه في مشارق الدنيا و مغاربها 000 فالذي يرنو ببصره إلى السماء و يتأمل دقة نظامها و جمالها لا يتسنى له هذا إلا بعد أن يتأمل ما تحت قدميه في الأرض ،

فهو يفهم قانون الأرض قبل قانون السماء ، يفهم معنى أنه جسد من طين و له قلب وعقل قبل أن يفكر في الروح و غذائها وعلوها وارتقائها ، هو إنسان منظم يبدأ بالتدرج من أسفل لأعلى ، يترقى شيئا فشيئا ، و على مراحل, كما قال تعالى : { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19) } الانشقاق

إنه يطوي مرحلة بعد مرحلة فهما و تذكرا وفقها  تحليلا و تفسيرا 000 فلا يتطلع إلى السماء و علوها من لا ينظر إلى الأرض و مدها و اتساعها 000 فهذا الصنف تجد أن سقف فكره عالي علو السماء , لدرجة أن فكره  تصره يرتقي ليصل إلى سقف الجنة بعد أن طاف قلبه وعقله و فكره , بعد أن طافت روحه بالبيت الحرام ثم البيت المعمور وإن شئت قلت بالبيت المعمور وقت طوافه بالبيت الحرام فكل حياته طواف ،  لا يتوقف طوافه بالبيت الحرام فقط إنما أنفاسه طواف ، و سعيه طواف و عمله طواف و ذكره طواف ، و قراءته علمه و شغله طواف هو من الطائفين ليلا و نهارا ، حتى في منامه هو طائف قلبه يسجد تحت العرش ، و روحه تحلق مع الملائكة حول العرش ،

عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” إن مما تذكرون من جلال التسبيح و التهليل و التحميد ينعطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل تذكر صاحبها ، أما يحب أحدكم أن يكون له أو ـ لا يزال له من يُذَكِر به ـ ؟! إنها الباقيات الصالحات ”  [ أخرجه ابن ماجة 3809 و صححه صاحب الزوائد و الألباني في تعليقه على السنن و أحمد في المسند (1862) و الحاكم في المستدرك (1841) هذا حديث صحيح الإسناد و كذا في مصنف ابن أبي شيبة و كا في مسند النبرار و عند البيهقي في الأسماء و الصفات ]

فهذ الذي يعيش الحياة الطيبة ، يعيش بمقياس الجنة يبدو و كأنه أصبح مجبول على الخير و لا يخالف ، محاط بسياج الرحمة وكأن الإساءة حجبت عنه,  و صارت النفس مجبولة على التقوى و الخير ، هذا الذي وصل الأرض بالسماء ، بمعنى أنه سار على الهدى النبوي النوراني ، ووفقه الله تعالى إلى علو سقف فكره ، ففكره النابع من أصالة هذا الدين جعله قريب الصلة بالعالم العلي الملائكي ، فهو يرى خيرات الدنيا كلها تُصب عليه من السماء من غيث و نور و دفء و جمال و نفحات ربانية و تقدير و كتب سماوية كانت قبل القرءان ثم كان القرءان فهو النور وهو الوحي و هو الشفاء و الروح 000

إنها هداية السماء و هل هناك أكبر من هذه النعمة ؟ نعمة الهداية إلى الله عز وجل 00 و هذا يستلزم الشكر و الحمد و التسبيح ، و من ثم فكل تسبيحة للمؤمن تجعل له نورا في السماء و كما أن النجوم زينة السماء بإذن الله تعالى فكذلك تسبيح المؤمن زينة الأرض و السماء فبيوت الذاكرين المسبحين هي نور ، هي كالنجوم لأهل السماء ،

روى أحمد (6/ 65) و أخرجه الذهبي ( 8/ 26) من طريق السراج عن عائشة : عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” إن البيت ليتلى فيه القرءان فيتراءى لأهل السماء كما تتراءى النجم لأهل الأرض ”

[ السلسلة الصحيحة / 3112 ]

إنها حياة المؤمن التي تبدأ بتسليم الرسالة للقلب الذي به العقل ليعقلها و يفهم ما جاء بها من الكتاب المسطور, ثم يتدرج المؤمن ويترقى بإيمانه إلى الطواف بالبيت الحرام مكة المكرمة

و إن تذكرها الآيات الكريمات لكنها معنية بالأمر و مقصودة و مذكورة فهي تحت البيت المعمور ، بيت في الأرض يطوف به المؤمن و بيت في السماء تطوف به الملائكة الكرام و لا مسافة بين هذا و ذاك في قلب المؤمن ، فهو وإن طاف جسده بالبيت الحرام فإنه يطوف بروحه في البيت المعمور، قد رفع ذكره ، فله لسان صدق عليا لأنه على درب الأنبياء و المرسلين صلاة ربي عليهم جميعا 000 فالمؤمن ما عنده حلقة مفقودة ، إنما حياته موصولة بالسماء و برب السماء الخالق العظيم ، إنه صاحب القلب الذي جمع بين الرقة و الصلابة و الصفاء و هو من أحب معية الله تعالى , كما أخبر صلى الله عليه وسلم ، كيف ينقطع هذا القلب عن السماء و حبل الذكر موصول إنه قلب في معية الله تعالى { أذكروني أذكركم } قلب لا يخشى في الله لومة لائم ، يدور مع قول الحق أينما دار ، فهو قوي شديد في الحق ، و هو في نفس الوقت لين رحيم في المواقف التي تستدعي ذلك ، و ذكر الله تعالى هو غذاء روحي يمد النفس المؤمنة بما تحتاجه من سكينة و اطمئنان,  قال تعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) } الرعد

و في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه : قال صلى الله عليه وسلم : ” أنا عند ظن عبدي بي و أنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم و إن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا و إن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا و إن أتاني يمشي أتيته هرولة ”

[ خ / 7405 / فتح الباري 384/ 13 / و مسلم 2601/ 4 ]

و عن أبي هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإن وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال : فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال : فيسألهم ربهم و هو أعلم منهم ما يقول عبادي ؟ قالوا : يسبحونك و يكبرونك و يحمدونك و يمجدونك قال : فيقول : هل رأوني ؟ قال : فبقولون لا و الله ما رأوك فيقول : و كيف لو رأوني ؟ يقولون : لو رأوك كانوا أشد لك عبادة و أشد لك تمجيدا و أكثر لك تسبيحا 000 ”

[ البخاري / 6408 / مسلم / 2069 / 4 ]

ولا يستطيع الشيطان اختراق هذه الدائرة النورانية

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *