الرحمن

الحمد لله و سبحان الله الذي أنزل القرآن ، سبحان الذي أنزل سورة ” الرحمن ” و سورة” الرحمن ” تقع في ترتيب المصحف و تحمل رقم (55) و هي بعد سورة القمر و التي عدد آياتها (55) ! ، وسورة الرحمن في الجزء السابع و العشرون من القرآن الكريم ، ولنتأمل أواخر سورة القمر ( إن المتقين في جنات و نهر 0 في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) و كأن السائل يسأل أين المتقين ؟ فتأتي الاجابة في قوله تعالى : ( في جنات و نهر ) ثم يسأل السائل بعد هذه الجنات و النهر ؟ فيجيب خالق النجم و القمر ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) و كأنه يفكر مليا ثم يتساءل : من هو المليك المقتدر؟

فيأتيه نور السماوات و الأرض باسم ” الرحمن ” هو ذلك المليك المقتدر ، سبحانه عز وجل 0 فاسم الرحمن شمل تفصيل و بيان لهذا المقعد الصدق ، فأواخر سورة ” القمر ” اجمال ، ثم أتت سورة ” الرحمن ” لتفصيل هذا الاجمال

انه الابداع في الاستهلال ، استهلال رائع لظهور آيات الملك ، آيات الاقتدار و غاية التبرك و الظهور و الهيبة مع أعظم الرجاء ، و الرجاء مكتمل في أعظم النعم ” القرآن ” حيث قال عنه الله تعالى في سورة القمر ( و لقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) ؟! يسر الله الرحيم الذكر تحقيقا للرحمة الخاصة بهذه الأمة ، ثم عم جميع خلقه برحمة الرحمن فقال : الرحمن ،

كانت سورة ” القمر ” زجر ووعظ و تنبيه و اعذار ثم جاءت سورة ” الرحمن ” بالرحمة و الود و اللطف و الحلم ، و بيان النعم .

اخوتاه //

هي في الحقيقة زيادة في البلاغ 0 كانت سورة ” القمر ” للمعاندين و مشركين العرب ثم جاءت سورة ” الرحمن ” رحمة للعالمين0

القرآن وحدة واحدة لأن المتكلم به الله تعالى ، فهو مترابط المعنى ، فهو في الظاهر مجزأ إلى أجزاء و سور و أحزاب و أرباع ، و آيات مقسمات في السور مبدعات ، لكن باطن هذا الأمر ، أن القرآن وحدة واحدة كأنه جزء واحد أو حزب واحد ، أو ربع واحد ، أو سورة واحدة ، بل آية واحدة و هذا سر من أسرار إعجازه ، و لذلك سورة ” الفاتحة ” كما نعلم هي أم الكتاب ، و هي السبع المثاني و لو لم ينزل غيرها من القرآن لكانت  هي الشافية و الجامعة و المانعة و الكافية باذن الله تعالى 0

و أضرب مثلا آخر للتوضيح ، لقد انتهت سورة ” النجم ” بقوله تعالى : ( فاسجدوا لله و اعبدوا ) و كأن السائل الغافل عن ذكر الله تعالى يتساءل لماذا ؟ لماذا أسجد و لماذا أعبد ؟

قال تعالى : (  بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) الأنبياء

فتأتيه سورة ” القمر ” بقاذفة ، قذيفة دامغة

ما هذه القذيفة التي نكاد نسمع دويها ؟ انها ( اقتربت الساعة و انشق القمر )

أرأيتم اخوتاه //

ماذا تفعل بداية السورة بأواخر ما قبلها هكذا كل القرآن ، وحدة واحدة ، كل سورة ردا و تكملة و تفسيرا لما قبلها و إشارة لما بعدها

سورة الرحمن تحمل عجائب و براهين ساطعة لذلك تكرر التقرير و التنبيه ” فبأي آلاء”

اخوتاه //

اسم ” الرحمن ” اسم علم على ذات الله تعالى ، مثل اسم الله و لا يكون اسم الرحمن إلا لله تعالى ، قال تعالى : ( هل تعلم له سميا ) هل يكون للرب سبحانه مثلا أو شبيها ، قالها ابن عباس رضي الله عنهما ، و قال أيضا : ليس أحد يسمى الرحمن غيره تبارك و تعالى ، فاسم الرحمن فرقانا بين مقام الله تعالى و مقام العباد ، و لذلك تسمع قوله تعالى في سورة  الرحمن

( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) و هذا هو أساس نفي الولد عن الله سبحانه و تعالى ، لقد ادعوا الولد للرحمن ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ) سبحانه و تعالى عن هذا علوا كبيرا ، لكن لماذا الولد ؟ لاعتقادهم أن الولد يخلص البشرية من العذاب و يرحمهم !! و هذا ادعاء باطل ، فلا رحمة في ادعاء الولد ، لأن ” الرحمن ” سبحانه عز و جل هو مصدر الرحمات ، مصدر كل رحمة ، قال تعالى : ( و ما ينبغي للرحمن أن يتخذ و لدا ) و هذا الادعاء الظالم هو أخطر الأسباب لهلاك البشرية ، قال تعالى : ( تكاد السماوات يتفطرن منه و تنشق الأرض و تخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن و لدا 0 و ما ينبغي للرحمن أن يتخذ و لدا 0 إن كل من في السماوات و الأرض إلا ءاتي الرحمن عبدا ) مريم

فعيسى عليه السلام رحمة من رحمات الله تعالى 0 ( كما قال تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم ” و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ”  )

وتأمل اسم ” الرحمن ” حيث الألف المقصورة على حرف ” الميم ” ، فالرحمة صفة ذاتية في الله عز وجل ، و الرحمن عز وجل هو المتصف بالرحمة العامة حيث خلق عباده و رزقهم و هداهم سبيلهم و أمهلهم فيما خولهم ، واستخلفهم في أرضه واستأمنهم في ملكه، ليبلوهم أيهم أحسن عملا ، و من ثم فان رحمة الله تعالى في الدنيا وسعتهم جميعا ، و الرحمة تفتح أبواب الرجاء و الأمل ، و تبعث على صالح العمل ، و تدفع أبواب الخوف و اليأس ، و تشعر العبد بالأمن  و الأمان ، و في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة و تسعين جزءا و أنزل في الأرض جزءا و احدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ” البخاري / 5654

و يقتضي اسم الرحمن توحيده ، بمعنى أن يمتلئ القلب بالرحمة و الحب و الإيمان به ، فيحرص المسلم على رحمة أخيه ، أخيه في الانسانية أولا قبل أن يكون أخيه في الدين ، ثم هو يرحم صغيرهم ، و تبقى رحمته موصولة لرحمه و للناس ، ثم هي أيضا موصولة للكافرين ، فيحرص على دعوتهم للإسلام و يطفئ لهم نارا تحرقهم في الدنيا قبل الآخرة 0

و قد ثبت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء ” صحيح الجامع / 3522

قال سعيد بن جبير و عامر الشعبي : ” الرحمن ” فاتحة ثلاثة سور إذا جمعن كن اسما من أسماء الله تعالى ” الر ”  و  ” حم ”  و  ” ن ” فيكون مجموع   هذه ” الرحمن ” و لله تعالى رحمتان :

رحمة سابقة بها خلق الخلق و رحمة لاحقة بما أعطاهم الرزق والمنافع ، فهو رحمان باعتبار السابقة رحيم باعتبار اللاحقة و لما اختص بالايجاد لم يقل لغيره : رحمن ، و لما تخلق بعض خلقه الصالحين ببعض أخلاقه 0 بحسب الطاقة البشرية فأطعم و نفع ، جاز أن يقال له : رحيم 0

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *