الرئيسية / مقالات / انه القرار الثابت والعهد

انه القرار الثابت والعهد

انه القرار الثابت والعهد

فلو نظرنا الآن من منظور سورة ” الطور ” و ركزنا الأضواء على المتقين فيها وجدنا أن المتقين هنا مرتبطين في أول الأمر و آخره بالعهد مع الله تعالى , ” و الطور ” إنهم أصحاب عهد ، فلا يتنازلون عن عهدهم أبدا مهما كانت الأحداث و الفتن ، إنهم الذين سقوا تقواهم بعرق الصبر على الحلال من الكسب ، سقوا تقواهم بالاهتمام بأهلهم و ذويهم ، سقوا تقواهم بماء  الصدق فالصبر هنا هو مَهر تقواهم ، و من هنا فإنه مَهر الجنة هؤلاء الذين تمسكوا بالثوابت و إن كانوا يعانوا من قلة ذات اليد فهؤلاء أصحاب قرار و عهد ، فإنهم بنوا حياتهم خلال هذا العهد ، فالعهد مع الله تعالى ليس بالشيء الهين و لا يؤخذ جانبا منه و يُترك الجانب الآخر ،

قال تعالى : { ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (86( } البقرة

قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٢٠٨﴾  } البقرة

قال تعالى : { يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12( } مريم

قال تعالى : { فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43( } الزخرف

قال تعالى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18( } آل عمران

قال تعالى : { وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا 000 (143) } البقرة

لماذا كل هذه الآيات ؟ لأن الدين عبارة عن عهد مع الله تعالى قَبِله العبد طواعية بدون اكراه ، فطالما رضي بالدين فإنه ينبغي عليه القيام بشروطه و أركانه وواجباته حق القيام و أن يجعل له الدين سياجا يمنعه من الحرام بأنواعه , بمعنى أنه يتقي الله تعالى في كل شئون حياته وعلى قدر المستطاع 000 هذا هو الأصل و هذا من ثوابت الدين 000

رباط التقوى

و هذا الصنف من المتقين رغم انشغالهم و فقرهم و قلة حيلتهم تمسكوا بهذا العقد و حافظوا على العهد  , نعم أقدامهم تزل و يكادوا أن يسقطوا في أي عقبة من عقبات الدنيا و لكن الله تعالى يقيهم الصعاب و في آخر لحظة ، لقد أوشكوا على السقوط والله تعالى وقاهم و حماهم و حفظهم لحفظهم عهده عز وجل …

هؤلاء الذين حرموا راحة الدنيا ظلوا في كد و نصب لتحصيل ضروريات الحياة الدنيا ، إنهم أهل عفة و شرف رغم حاجتهم التي تتلجلج و تضطرب في صدورهم كتموا حاجتهم ، و ما نقموا على أصحاب الغنى في الدنيا ، و لكن لا يمنع هذا أن عندهم تراكمات نفسية في اللاشعور عندهم من ظلم الظالمين ، فهم أصحاب نفس متعبة  , لكن الأمل يتجدد فيها بوعد الله تعالى ،

ولا يعني هذا أن الأغنياء محرومين من التقوى لا . فهم أهل الشكر ، و تأمل حياة أبي بكر و عمر و عمر بن عبد العزيز و مصعب فتى قريش المدلل و صهيب الرومي و سلمان الفارسي ، ألم يكونوا أغنياء و سادة و أكابر ، لقد أزلفت لهم الجنة ، إنها جنات الدنيا 00 عاشوا نعيم الدنيا و نعيم الآخرة بطاعتهم لله عز وجل , ولكن الجدير بالذكر أن تقوى كل واحد منهم مختلفة تماما عن تقوى الآخر ، فكل صاحب جنة  له بصمة خاصة في تقواه ، بمعنى أن كل مؤمن تقي له لحظة صدق مع الله تعالى , هذه اللحظة هي التي تحول جبال سيئاته إلى حسنات , هذا هو صاحب مجموعة من القرارات ، وهذه القرارات توفيق من الله و الهام بخير ، و كم من غني في جنات و قصور و بساتين و أموال و عقارات وعنده كثير من الولد والنعيم و لكنه لا ينعم ، لا يشعر بهذه الأموال وهو غير سعيد ، فكم من جنات لا ينعم بها صاحبها إنها جنات و لكنها بلا نعيم ، فرغم أنه صاحب جنات و لكنه محروم محروم من النعيم الحقيقي !

قد يكون محروم بسبب مرض  , بسبب مشاكل بسبب قضايا ، بسبب غربة و سفر بعيد , بسبب موت أحباب له ، بسبب حسد و حقد من الناس ، بسبب حرمانه من الذرية ، و قد يكون في جنات و لكنه ليس في نعيم كالسفرجي و كالخادم و كالبواب و كالطباخ الذي يعمل في القصور عاملا يرى النعيم بعينه , ولكن لا يخصه هو لصاحبه  فالخادم  يراه ولا يتمتع به و لكن بامكانه أن يكون من المتقين إن حافظ على الأمانة و لم يخن سيده و لا يأخذ إلا حقه 00 و لا يحقد و لا يحسد هذا الغني , بل يرضى بما أعطاه الله تعالى و يصبر 0

و يمكنك أن ترى التقي في شخص أمين مخازن و رئيس بنك و في البورصات و وزير مالية أو محافظ أو أي مسئول على مال عام للدولة أوولي أمر المسلمين , هؤلاء يمكنهم أن يكونوا من الأتقياء وهم أغنياء , أي في جنات و لكن ليسوا في نعيم ..

و هذا شيء طبيعي لأن هذا المُلك ليس جنات حقيقية ,  إنما هو أمانة خوله الله تعالى فيها وهو راعٍ و مسئول عنها , فكيف يجد فيه النعيم و الراحة و السكن ، بل إن العيون ترصده و القلوب تحسده و الألسنة تتحدث عنه و إن كان أمينا صادقا فما وجه النعيم في هذا ،

في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إنكم سترصون على الإمارة و ستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة و بئست الفاطمة ”

[ الطبراني بسند صحيح ]

و هذا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأبا ذر عندما طلب أبو ذر أن يوليه فقال : ” إنك ضعيف و إنها أمانة و إنها يوم القيامة حسرة و ندامة ”

إذا الجنات و النعيم ليست حقيقة في الدنيا و زينتها إنما هي في الدنيا لأصحاب الذكر,, عن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا ” قالوا و ما رياض الجنة قال : ” حلق الذكر ”

[ الصحيحة / 2562]

و هكذا..

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *