الرئيسية / مقالات / انه النعيم

انه النعيم

انه النعيم …

و لكن النعيم شيء مختلف تماما 00 يزيد على مجرد جنات , فالنعيم شيء زائد عن ما في الجنات من أساسيات الحياة ، فهم يرون النعيم في البحار حيث أعدادا غفيرة من الأسماك  تطفو على سطح المياه و بجميع الألوان و الأحجام , وهذه مجموعة من الطيور بأصواتها و أشكالها و ألوانها تطير فوق جناتهم , فتزيد الحياة جمالا على جمالها وها هي مجالس اضافية فيها أباريق و أكواب متنوعة وبارعة الجمال للضيوف و الزائرين 00 و هذه مفارش و مناشف بالغة النعومة و رائعة الألوان ، تدخل بها الملائكة ليزيد فرح أهل الجنة بها 00 و هذه أنواع كثيرة من الأطعمة غير ما يتوقعوها يشمونها و تراها عيونهم و تدخل عليهم السعادة بالرغبة في تناولها 00 و السباق إليها 00

فهي مقدمة مع ملائكة و غلمان بالغين الجمال 00 و يحملونها في آنية ذهبية مزخرفة و مزينة الرائي لها يتمنى النظر لها وإن كانت فارغة , فما بالك إن كانت مليئة بأشهى أنواع الطعام و الشراب ، إنه النعيم 00

و النعيم يختلف اختياره من شخص لشخص ، فالمتقين يختلفون في اختيارهم للطعام و الشراب و الفراش كل له ذوقه و متطلباته ، فهم يريدون ملابس خاصة للمناسبات ذات ألوان و زركشة متناهية الدقة و الجمال , تطريز مرصع بالجواهر ومزين باللآلئ ، فمنهم من يطلب مطاعم خاصة ، يأتون بالطعام الفاخر إليهم ، فهم الآن يريدون أن يشعروا بالنعيم بعد الفقر و التعب .

(((  فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18(  )))

و من شدة النعيم وصفهم الله تعالى بأنهم { فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18( }  , متعجبين و مسرورين من ألوان النعيم التي تأتي بها الملائكة قبل طلبها ، لقد زادت سعادتهم , لأن سعادة الإنسان بالنعيم لا تتم إلا بالأمن و الأمان أولا ، هؤلاء الذين كانوا محرومون من الراحة و السكن و النعيم ، كانوا يرونه ربما عند غيرهم ، كانوا يتمنونه فقط ، الآن كلما يتمنوه من النعيم يجدونه و قبل أن يطلبوه ، و مما زادهم سرورا و فرحا أن الله تعالى وقاهم عذاب الجحيم ، فقد كادوا أن يسقطوا في النار لولا وقاية ربهم عز وجل ، فقد مروا بمشاهد صعبة في مرورهم على الصراط , كادوا أن تأخذهم الكلاليب , هم كانوا مذنبين ؟

عاقبة المتقين

نعم لكنهم كانوا سرعان ما يتوبون إلى الله تعالى , حفظوا جناب التوحيد فحفظهم ووقاهم بنور توحيدهم , فهم في قرارة أنفسهم يقولون كفانا أن وقانا ربنا العذاب فهل فوق الوقاية جنات و نعيم ، هل شيء زيادة ، هذا كثير علينا ، و هذا يدل على أصالة معدنهم و زكاة و نفاسة أنفسهم ، فهم من أهل الوفاء فحفظ العهد و الوفاء من الإيمان ، عندهم أصالة فمع جناتهم و نعيمهم ما نسوا أصل الموضوع و هو أن الله تعالى وقاهم الجحيم, ولولا ذلك ما كانت الجنات و ما كان النعيم 000

” فاكهين ” أي أنهم يكادوا يطيروا من الفرح من جمال و غرابة العطاء, وفي نفس الوقت يحافظوا على وقارهم ، هم لم يتوقعوا هذا ولذلك يعيشون في حالة من الدهشة والعجب و لسان حالهم يقول : أنحن نستحق هذا ؟

وماذا عملنا حتى يجازينا الله تعالى بهذا ، قصور و حدائق وفُرش و ملاعب و ملاهي و هدايا و مجوهرات و أطعمة و أشربة ، و تأمل ” الألف المقصورة ” في  {  فَٰكِهِينَ  } فالفرحة تملأ قلوبهم , وتفيض على وجوههم جمالا وحسنا و بِشرا , ولكنهم يخافون على فرحتهم ، فما زال قانون الدنيا معهم, فقد كانوا في الدنيا يخافون أن يفرحوا ، هذا سمتهم في الدنيا و طباعهم فهو لا يظهرون فرحتهم ، فرحتهم مكسية بالوقار والخوف , و لذلك جاء بعدها { و وقاهم ربهم عذاب الجحيم } فرحة محاطة بسياج الرهبة ، لا يزال اللاشعور عندهم مشحون بأفكار الدنيا لا يزال القوم في عجب و دهشة ، لم يتوقعوا هذه المنزلة ، فهم يعيشون فرحة ممتزجة برهبة ،

مدى فرحة المؤمن بجزاء ربه

وكأنهم يقولون هل نحن نستحق كل هذا يا رب ؟! يا رب كفانا أن زحزحتنا عن النار إنهم يعلمون فضل ربهم ، يقولون في أنفسهم يا الله ما هذه النيران السوداء التي مررنا عليها و رأيناها لقد رأوها و مشوا ببطء عليها , ورأوا بعض العقبات و الزلات لكن الله تعالى وقاهم إياها 00 لذلك هم الآن يشعرون بمدى النعمة و النعيم ، فالإنسان الذي عاش الخوف و الرعب يعلم قيمة الأمن والأمان  , ومن ثم يعلمون فضل ربهم عليهم ، ولذلك ربهم آتاهم من نعيم الجنة ما لا يوجد عند غيرهم ، أتاهم على قدره سبحانه ، أتاهم أشياء خاصة بهم لا بغيرهم ، ممتلكات خاصة بهم مقصورة عليهم لا يشاركهم فيها أحد ، هدايا لا تتكرر ، الله يعلم ما يُفرح قلوبهم ، هم في حاجة إلى شيء غريب و نادر ، لأن الغريب و النادر و النفيس في الدنيا قد حرموا منه ، و تصور منذ وقت ليس بالطويل كانوا في ظلمة الصراط و أهواله , والآن هم في وسط النعيم مثلهم مثل الذي في الدنيا يقول ، الحمد لله لي بيت يأويني و يحميني حتى لو أكلت خبز فقط و شربت ماء ، فكأنهم يقولون الحمد لله الذي لم يعذبنا بناره ، و نجانا منها و هذا سر فرحتهم ، فهم قوم أصحاب مشاعر و تأملات ، قوم يعرفوا و ينسبوا الفضل لأهله ، أهل احسان 0 أهل حمد و شكر لله تعالى ..

وهذا يدلنا على سلوكهم وعلى أخلاقهم في الدنيا , فقد كانوا يحفظون عهدهم مع الناس و يحفظون و يذكرون الجميل لأصحابه , لا ينسون معروف من أحسن إليهم ، كانوا إذا عجزوا عن رد معروفهم دعوا الله لهم بالخير ، ثم أن الله تعالى قبل أن يقِيهم شرور الآخرة وقاهم شرور الدنيا من الربا و الزنا ، حفظهم بعينه التي لا تنام وكان فضله عليهم عظيما ، و كانوا يعرفون فضل ربهم عليهم كان لسان مقالهم دائما ” لولا الله ” ” لولا فضل الله ” ما كانوا يقولون ” لولا فلان ” لولا ذكائي و مالي و أولادي 000

و في هذا اشارة إلى أن كل إنسان ينظر إلى تاريخ حياته و يراجع حسابه مع ربه و ينظر كيف وقاه ؟ و مما وقاه ؟ و كم مرة وقاه ؟ قال تعالى : { فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ 000 (45) } غافر

قال تعالى : { وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9(  } غافر

” ووقاهم ربهم عذاب الجحيم “ و الجحيم ليس النار في الآخرة فقط بل أن الجحيم يبدأ من الدنيا ، فالجحيم له قسم مادي و قسم معنوي و هو الأشد ، و من ظن أنه سيعذب فإن هذا يعني بداية العذاب له ، عذاب نفسي موجع و مؤلم نار خفية تشتعل في أركان نفسه ، نار ظلم النفس فهو محبط بائس يائس ، خائف من الأمراض ، خائف من نفسه من غيره ، خائف من الفتن ، خائف من ضياع المال و الولد و الوظيفة ، خائف من ضياع الدنيا منه.

فالذي تحكم عليه المحكمة بالإعدام و لا تصرح بيوم الإعدام فهو في الحقيقة كل يوم في إعدام ، فانتظار العذاب عذاب , ثم إن الذي يعصي ربه و يعيش في ظلمة الذنوب ، هو في جهنم ، يشقى فيها على حسب جرمه و ذنبه ,, إذا الذي وقع في الفواحش و الذنوب و أصر عليها إلى أن مات عليها هذا كان في الدنيا في نار و يوم يموت يستأنف عذابه في النار 00 يكمل مسيرته في النار إلى أن يشاء الله له أمرا كان مفعولا 00 و هناك من يقع في هذا و لكنه لا يصر عليها بل يتوب من قريب ..

قال تعالى : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136(  } آل عمران

و هناك من يحوم حول المعاصي و يقترب منها, و لكن الله تعالى يقِه  الوقوع فيها 00 يضع أمامه العقبات حتى لا يقع فيها , قد يمرض , قد يحدث له حادث ، قد يموت له حبيب قد يضيع ماله 00 لماذا ؟ لكي لا يقع في الفاحشة , هذه وقاية من الله تعالى 00

فهؤلاء المتقون خافوا الذنوب  ,و بالكاد كانوا يحافظون على دينهم ، و كان أغلبيتهم فقراء و موظفين ، هؤلاء نجاهم ربهم من عقبات الدنيا في آخر اللحظات 00 وقاهم و لم يزِل أقدامهم من على الصراط بعد أن كادوا يسقطون فيها ..

وذِكر الله تعالى الوقاية قبل الطعام و الشراب إشارة إلى أن الإنسان لا يصير طعامه و شرابه هنيئا إلا في حالة الأمن و الأمان و السلامة , ولذلك مع نعيمهم في جناتهم و مع فرحهم البالغ فهم لا ينسون فضل ربهم عليهم في أنه سبحانه نجاهم و وقاهم النار و سمومها, هم يتذكرون الموقف جيدا و كيف أن الله تعالى وقاهم الزلل والسقوط بينما سقط آخرون ، كيف كانت الظلمات و كيف كان النور يضيء مرة و يطفأ مرة ، كيف أن أحدهم كان يزحف , ربما على الصراط لكنه ما سقط ، فالأمر كان شديدا و بالغ الخطورة و إلا ما ذكره  الله تعالى وسط النعيم و الأكل و الشرب و الأمان فهو شيء لا يُنسى ، و إذا سألت عن سر وقايتهم تجده الحفاظ على العهد رغم صعوبة الحياة …

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *