الرئيسية / مقالات / تأملات في قوله تعالى ” والبحر المسجور” …

تأملات في قوله تعالى ” والبحر المسجور” …

(( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6))

فالذي لا تتوافر فيه شروط السفر للآخرة ” الجنة ” ما مصيره و ما خط سيره و ماذا سيفعل ؟ قد يقول قائل  :سبحان الله ما هذه المفاجأة ، الله تعالى يحدثنا عن الطور و عن الكتاب المسطور و عن الرق المنشور و عن البيت المعمور و السقف المرفوع ثم فجأة  ” و البحر المسجور ” و كأنه يقول ما هذا الهبوط المفاجئ  !

الهبوط المفاجئ لأن ما في بحر مسجور فوق ، إذا البحر المسجور ليس تحت العرش و لا بجوار البيت المعمور بحر يشتعل و يتأجج نارا أين يكون ؟ بالطبع ليس في الجنة فيسأل ما هذه المفاجأة المروعة ؟

و الحقيقة أنها ليست مفاجأة إلا لمن تنكس الطريق إلى الله تعالى,  لكن المؤمن يعلم علم اليقين أن هذا الترتيب في الآيات شيئا طبيعيا ، فمن الناس من هو منتبه يقظ لطريقه , ومنهم من هو غافل و مَعمي فهو يضل الطريق, بل يهوي به الطريق إلى هذا البحر المسجور .

و في الحقيقة أن هذه الآية بهذا الترتيب المعجز تبدو لي و كأنها ” كوة ” في الجنة فمنذ قليل كنا نحلق سويا في الجنة ، فهذه الآية بمثابة كوة في الجنة , لنرى من خلالها قصة البحر المسجور 000

اخوتاه //

مرة أخرى أعود لأقول لحضراتكم كما قلت سابقا إن سورة ” طه ” هي تفصيل لسورة ” الطور ” فهذا العهد الذي أخذ على الإنسان وهذه التوراة وهذا القرءان ما نزل لشقاوة الإنسان و ما نزل ليزج به إلى البحر المسجور ، إنما انزل هذا القرءان وأخذ العهد على الإنسان لسعادته في الدنيا و الآخرة ليضع له الحدود ” صمام الأمان ” لحياته ، فكان منهج حياة و كان نورا و حياةً و شفاءً و روحا , هذا المنهج اشتمل أول ما اشتمل على توحيد الله تعالى :

قال تعالى : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16( طه

لكل زمان عصا

و لكن الإنسان يبدو أنه في الدنيا وكأنه في صحراء مترامية الأرجاء ، يبدو ضعيفا مسكينا يضل الطريق و لا يعرفه تمام المعرفة ، أدواته ضعيفة { قال هي عصاي } و لكل زمان عصا أي أدوات فالأدوات تختلف من زمن لزمن ، و لكنها مهما بلغت من التقنية فهي من صنع البشر ، أي أنها قاصرة و ليست ملهمة و لا هي معجزة ، إنما يحتاج هذا المخلوق الضعيف إلى معجزة ربانية تعينه على قسوة الحياة و الظلم المتفشي فيها ، لذلك كانت معجزات الأنبياء و الرسل عليهم السلام ، و منها عصا موسى و يده و انغلاق البحر و المن و السلوى و خروج الماء من الحجر و غير ذلك

ثم لابد لهذا الإنسان الضعيف أن يستعين بالملك القوي المتين..

قال تعالى : { قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) } طه

كان هذا الدعاء بمثابة حصانة و دعم و سلاح و استعانة بالله العظيم و استغاثة به عز وجل لمواجهة الطغاة و الظالمين

قال تعالى : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) }

و لا يزال الخوف في الإنسان لذلك طمأنه الله تعالى بقوله

قال تعالى : {  قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) }

فالإنسان أخذ العهد مع الله تعالى, ورأى نور الرسالة وحمل الأمانة , و دعا الله عز وجل و أعطاه الله تعالى المعجزات والكرامات, والمُعين من بني جنسه  فما بقى عليه إلا البلاغ ..

قال تعالى : { إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48( }

لماذا هذا الخطاب ؟ لأن أكثرية البشر مكذبون لرسالات الأنبياء

قال تعالى : { وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56) }

هذا الصنف من الناس لا يرى إلا ما يرى تحت قدميه ” الأرض و الطين ”

قال تعالى : { قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) }

قال تعالى : { قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) }

و من هنا بدأ الصراع بين الحق و الباطل

قال تعالى : { فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64) }

و السؤال  أي علو هذا الذي يقصده فرعون و أمثاله ؟

قال تعالى : { و إن فرعون لعال في الأرض }

و قد تسأل لمن العلو و الغلبة و النصر و التمكين ؟

قال تعالى : { قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى  (68) }

إنه موسى عليه السلام الذي يمثل الحق و من معه من المؤمنين, وكذلك من بعده من الأنبياء

قال تعالى : { وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) }

و في المقابل

قال تعالى : { إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) }

و ما بين هاتين النهايتين أحداث دنيوية كثيرة منها كما في سورة ” طه ” ” عبادة العجل ”

قال تعالى : { قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) }

و هكذا يتجدد الصراع بين الحق و الباطل كلما أطلت الفتن برأسها من جديد ، و لكن صوت الحق دائما و أبدا يعلو

قال تعالى : { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) }

قال تعالى : { إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) }

اعده/ ام هشام

شاهد أيضاً

(( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ  (11) ))

(( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ  (11) )) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *