تأملات

إخوة الإيمان //

بعد هذا الترحال و الطواف بين طيات هذا العالم المحيط بنا أقول لكم ، إن المقصود من هذا أن يسمو الإنسان بروحه فوق الزمان و المكان ، و أن يعلو بيانه و كيانه و مشاعره ووجدانه ، و أن يكون كثير الترحال بالقلب إن عجز بدنه ، يتقلب في الأجواء كالطير في السماء بحثا عن الجنة ، عن النعيم ، عن السكون 00 قال تعالى : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) ثم تأتيه الجائزة الكبرى و العظمى ألا و هي ” لذة النظر إلى وجه الله الكريم ” هكذا علاقة الإنسان بهذا الكون المحيط به ، زمانا و مكانا ، و الإنسان يتقلب في أرض الله تعالى و يتحول ليقدم أسمى آيات الشكر و الامتنان و العرفان ، إني توقفت مليا مع اسم الله تعالى ” الرحمن ” فوجد ت اله عظيما رحيما ، كتب لأوليائه و لأحبائه أعمالهم و أعانهم ، عليها وفقهم وقبلها منهم و جزاهم بأحسن ما كانوا يعملون في سابق علمه ، هذه نعمة الامداد و التي سبقت نعمة الإيجاد ، فضلا منه و احسانا ، فهل بقى إلا الشكر لله وحده سبحانه عز و جل ، و كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أفلا أكون عبدا شكورا ” اللهم اجعلنا من الشاكرين 00 آمين

و بعد هاتين النعمتين الكبيرتين ، فنرى العبد يعبد ربه الرحمن و في مكنون قلبه و أغوار نفسه أمل و ثقة في ربه بحسن العاقبة ، و هذا من خلال سبق الاحسان من الله تعالى 0

*** همسة عتاب *** ؟

فهل بعد نعمة السبق في الامداد و الاحسان و الفضل ، يأتي الإنسان ليعبد ربه بطريقة التجزأة أو يعبده على حرف ؟! ، فتجد لسان حاله ، أعطني يا رب كذا حتى أصلي ، أعطني كذا حتى أصوم ، و تراه ينذر النذر ، إن فعل الله تعالى بي كذا ، سأنفق كذا ، و أصلي كذا أو أصوم كذا ! انه يشترط على ربه ، ربه يعطيه نقدا و قبل مجيء الوقت و العمل و هو يدفع نسيئة 000 ! و لا يعلم المسكين أن ” المنع من الله تعالى عطاء و أن العطاء من الناس حرمان ” و لله المثل الأعلى ، فالأم تمنع ولدها الطعام و الشراب حمية له و علاجا له ، فقط تعطيه الدواء المر ، هذا هو النافع له ، فسبحان الرحمن الحكيم..

 

*** نماذج لمعنى العبودية للرحمن عز وجل ***

((( الرحمن 0علم القرآن 0 خلق الإنسان 0 علمه البيان )))

اخوتاه // إن المتأمل لاسم ” الرحمن ” يكاد يذوب ذوبان الملح في الماء ، حبا و شوقا لله تعالى ، فهو بالله و لله و إلى الله . و لذلك أقول إن الإنسان لو عاش المعنى الحق للعبودية ، ارتقت روحه فوق الآلام الدنيوية

تأمل “عروة رضي الله عنه: هموا بقطع رجله دون مسكن أو تخدير أو شرب مسكر ، هنا استعلى عروة بروحه ، لقد جمع عروة نفسه على الله وحد ذرات جسده على الله ، أعد نفسه و سلط عين قلبه على الجنة ، و تسلح بالصبر و الثبات و السكينة و الرضا ، استعلى عروة على مشاكل البدن ، كيف يجعل البدن يستعلى على الروح ، و الروح من أمر ربه ، جاءت من العلى فلابد أن يعلو بها و يستعلى و لا يتقزم مع البدن الطيني الأرضي 00 فتوارت الآلام خجلا من أمنه و سكونه وعافية روحه و ايمانه 00 انه إنسان معافى في دينه و دنياه 0

تأمل بلال رضي الله عنه : و هو تحت أشعة الشمس الحارقة يعذب هل تسمع صوته ؟ إن صوته لا يكاد يفارق قلبي أحد أحد رضي الله عنك يا بلال الفجر ، يا بلال الفلاح ! لقد بللت أرواحنا الظمأى 000 بللتها ببلالها ! فأنت بلال الخير 00 رحمك الرحمن يا بلال 0 هذا هو عبد الله 00 عبد الرحمن 00

خذ عندك عثمان رضي الله عنه : تراه أمامك ملفوف في حصير مدخن في صحاري مكة الرمضاء ، تكاد أنفاسه تحترق و تختنق و هو يذكر الله تعالى ، مطمئنا إلى رضوانه و احسانه المسبق ! هذا هو عبد الله ،

دقق النظر في هذا الرجل ، أنا لا أكاد أراه و لا أتعرف على تقاسيم وجهه ، أنا لا أرى وجهه أصلا ، الدم يسيل على وجهه و لا أفرق بين وجهه و قفاه ، و قد أصابه الاعياء و الاغماء انه صديق الأمة رضي الله عنه 0 و النماذج في هذا الصدد كثيرة كثيرة والسر في أن هؤلاء الكرام رضي الله عنهم ، ارتقت أرواحهم إلى الملأ الأعلى وعاشت الجنة وهم على الأرض 0 عاشت الأرواح في الجنة ، و اتصلت بأبدانهم من أعلى ، فتستطيع أن تقول أن ثلاثة أرباع الروح مثلا تسبح في الجنة و تتصل ببدنها في الدنيا إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا 0 مثاله 0 بلال رضي الله عنه الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم دف نعليه في الجنة ، و أمثاله كثير 0 هؤلاء الذين هانت عليهم الدنيا و أهانوها ، فأعزهم الله الرحمن و أكرمهم بحب الدار الآخرة ، فسبحان من علم أرواحهم حب الارتقاء إلى الملأ الأعلى 00 و سبحان من سهل لأرواحهم الصعود و الارتقاء ، سبحان من علمهم و بين لهم سبل السلامة من الدنيا 00 انهم أهل السمو و لهم من معراج النبي محمد صلى الله عليه وسلم أوفر الحظ و النصيب 0 اللهم اجعلنا معهم يا رب العالمين 00 آمين 0

انه الإنسان ! صاحب السمو و المعالي

إن الإنسان بحسن البيان ، يخرج مشاعره و مشاعر الكون من عالم الصمت إلى عالم الجمال بالنطق و البيان إنما يلقي حبال تفكيره في هذا اليم المتلاطم من جواهر و جوامع الكلم ، ليلتقط ما يسهل و يجمل و يشرق على لسانه إن هذا البيان ينبعث من قوة خفية غامضة تكمن فيما وراء المعلوم و المحسوس ، و هذا البيان يؤثر في المجتمع سلبا أو ايجابا ، بناءا أو هدما ، و هذا البيان طاقة شعورية انسانية و قد تكون وصفية ، يستخدم فيها الإنسان اللغة بشكل رشيق ، دقيق و عميق في آن واحد ، تتلون هذه الطاقة بلون المشاعر ، فمشاعر الخوف غير مشاعر الطمأنينة غير مشاعر الحزن غير مشاعر الفرح و الاعجاب و الدهشة ، و مدار المشاعر على أربع : الخير و الشر ، و الحزن و القرح 00 و كل شعور يندرج تحته مئات مئات الدرجات من المشاعر 00 من الذي خلق هذا ؟ و علم هذا ؟ و أبدع هذا ؟ انه الرحمن عز وجل 0

فثمة علاقة قوية بين ” الرحمن ” و ” علم القرآن ” ثم علاقة بين القرآن و “خلق الإنسان ” ثم علاقة بين ” علم القرآن ” و ” علمه البيان ”

((( الرحمن 0 علم القرآن 0 خلق الإنسان 0 علمه البيان )))

علاقات و ترابطات قوية فالذي يريد أن يظل الإنسان قابعا متكهفا خلف جدران الحياة ما عنده ابداع و لا هواية و لا بيان هو في الحقيقة يريده شيطان في جثمان انس و الشيطان من عمله تقطيع العلاقات ، فهو يقطع الإنسان عن ربه ، ثم يقطعه عن قرآنه بعدم تدبره و فهمه و بناء على ذلك لا يفهم نفسه فكيف يكون عنده بيان لشيء ما ؟!! فهو انسان أبتر ، أصم أبكم أعمى ، ما عنده شيء يقدمه ، فقط تحركه شهواته للحياة الدنيا ، إنما هو في حقيقة الأمر إنسان ميت و لا عجب في هذا ! فتحيا أمة تعج بمثل هذا الصنف من البشر ! كيف يكون حالها ؟!

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *