الرئيسية / مقالات / تابع تأملات في سورة الطور

تابع تأملات في سورة الطور

أما في الجنة فالأمر يختلف تماما ، فالماء ينساب بسهولة و انسيابية و له أصوات ناعمة غاية في الجمال و الروعة ، و له ألوان متناسقة مع الأصوات و الأنغام ، و مع كل موجة زخات من العطور المتنوعة ، و أشكال الموج يختلف من موجة لأخرى و سرعة الأمواج بدقة متناهية ، و مع كل موجة هدايا بحرية رائعة الجمال و المنظر ، منها حلي و منها ما يؤكل و منها زينة و أثر بحري نادر ، و منها و منها …

و يسود جو من السكينة و الهدوء مع أصوات الطيور الناعمة بأنواعها المختلفة ، بالإضافة إلى جمال الأجواء لا برودة ولا حرارة ، لا شمس تحتاج إلى مظلة و لا برد تحتاج فيه إلى قُبعة و بالطو وجاكت ، إنما هو متناسق مع طبيعة الشخص و جنته ، ماذا يحب و ماذا يريد من البحر و ما ذوقه و ما هو طبعه و مزاجه الشخصي وهوايته ولا تنتهي رحلته مع البحر الا بهدايا و تحف و عطايا ، و حوله الغلمان و الولدان و الملائكة الكرام يحملون معه نجائب من نور و ذهب و فضة إلى قصوره و حوره و أحبابه تصور حاله و هو يطير فرحا مسرورا بهداياه و بنظرته الجديدة إلى الحياة ، و كل نزهة إلى البحر أوغيره تختلف عن ما سبق ،

” كل يوم هو في شأن ” فالجنة ما فيها إلا المزيد ، مزيد من النعم و الجمال ، مزيد من الرفاهية و المُتع ، مزيد من الجمال و السعادة  , وهكذا رق منشور في الجنة 00

ولذلك ترى صاحب الجنة دائم التسبيح ، تسبيح تلقائي في خلقته و من شدة الجمال و الكمال 00 فمن لم يفهم الرق هنا كيف يفهمه و يتصوره في الجنة ؟!

من لم يدخل جنة الدنيا كيف يدخل جنة الآخرة ،

وسبيل الترقي والوصول ليس فقط في حفظ النصوص الشرعية و المتون الفقهية و البيقونات النثرية , إنما في فهم على مراد الله تعالى و رسوله صلى الله عليه وسلم , ولذلك قال تعالى :

{ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ 000 (79) } الأنبياء

فالفهم عن الله عز وجل من أجَل النعم على العبد و الآيات و الأحاديث تؤيد هذا و هي كثيرة بفضل الله تعالى قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  (24) } محمد

قال تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (190) } آل عمران

قال تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164( } البقرة

قال تعالى : { أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6( } ق

وأثبت العلم من خلال أجهزة السوبر كمبيوتر في القرن “21” أن الكون يبدو و كأن المجرات فيه لآلئ تزين العِقد ! و لذلك هم اليوم يتحدثون عن زينة السماء بهذه المجرات هناك نسيجا كونيا تجري المجرات على خيوطه ! قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) } النساء

إن أروع اللحظات هي تلك التي يكتشف فيها المؤمن معجزة جديدة في كتاب الله تعالى عندما يعيش للمرة الأولى مع فهم جديد لآية من آيات الله تعالى قال تعالى : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) } النمل

قال تعالى : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ  (53) } فصلت

لقد رسم العلماء مخطط للكون ثلاثي الأبعاد في مطلع الألفية الثالثة قبل خمس سنوات تقريبا و توصوا أن كل شيء في هذا الكون يمثل بناءً محكما 00 و أن الكون مزين بهذه الأبنية لبنات بناء من المجرات كالخرز المصفوفة على العِقد 00 فهم الآن يدرسون بناء السماء و زينتها 00

قال تعالى : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً (22) } البقرة

مجرات زرقاء و صفراء و خضراء ، هي لون المجرات في هذا البناء المحكم

قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45( } الفرقان

و تأمل هذا الرق المنشور إنه الظل .

ألم تنظر إلى بديع صنعه تعالى كيف مد الظل أي : كيف أنشأ ظل سواء كان من جبل أو بناء أو شجر عند ابتداء طلوع الشمس ممتدا لا أنه تعالى مده بعد أن لم يكن كذلك كما بعد نصف النهار إلى غروبها 00 و قيل أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر و طلوع الشمس و أنه أطيب الأوقات فإن الظلمة الخالصة تنفر عنها الطباع و شعاع الشمس يبهر البصر,

ولذلك قال تعالى في وصف الجنة : { وَظِلٍّ مَمْدُودٍ  (30) } الواقعة .

والمعنى أبعد من ظاهر الآية بكثير فإن هذه دعوة مفتوحة للتفكر ، فهناك معنى عميقا لها تحتاج إلى اجهاد الفكر لإجلاء أسرارها 00

ومن المعلوم علميا أن مجموعتنا الشمسية تكونت منذ خمسة بلايين سنة , ومنذ ذلك الوقت فإن ظل الأرض موجود و يمتد ووصل الآن طوله بطول خمسة ملايين سنة ضوئية و لكن الأرض تطوف حول الشمس ، فإن هذا الظل يتحرك مع حركة الأرض و ظل الكواكب مع حركة الكواكب و لأنه لا يوجد أي كوكب ساكن في الكون أبدا ، فإن الظل و كل ظل لكل كوكب أو قمر أو مذنب هو متحرك و لن يفنى هذا الظل أبدا ألى حين أمره سبحانه بنهاة هذا الكون 0 فالشمس دليل على الظل ، و الظل المقصود هو ظا الأجرام السماوية و لو أن مجموعتنا الشمسية جذبت و اقتربت من الثقب الأسود فإن الأرض ستتوقف عن الدوران حول الشمس بسبب قوة الجذب الشديدة للثقب الأسود يعني أن ضوء الشمس سينجذب نحو الثقب الأسود أي أن ظل الأرض سيتجه نحو الثقب الأسود بعد أن توقف مع توقُف الأرض عن الدوران و سيكون الظل مسحوبا مقبوضا فانيا في الثقب الأسود 0 إذا ستقع الشمس و كل نجم يوما ما في أسر هذا الثقب الأسود و لن يستطيع نجم أن يفلت ، فإن الحلقة الحمراء هي حلقة الأسر و إذا دخل النطاق الأصفر يبدأ بالتسارع و الدوران حول الثقب الأسود فيدخل إلى الحلقة الخضراء ثم الزرقاء لينتهي في المركز و هذا يحتاج إلى ملايين السنين أي أنه ليس كما تظن بأن وصوله إلى الثقب الأسود بيوم و ليلة لأن مسافات الكون كبيرة جدا

ألا يسترعى هذا المشهد بصر و بصيرة العبد ؟

إنه الرق المنشور ، غير محجوب عن أحد من العالمين رق عليه كل رقائق و جزيئات هذا الكون العظيم قال تعالى : { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) } الأنعام

قال تعالى : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46( } الحج

قال تعالى : { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) } النمل

قال تعالى : { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ  (20) } العنكبوت

و هذه الآيات تدل عل أن الإنسان يجب عليه أن ينظر في الآيات و الآثار 00 فليسير الإنسان في أرض الله الواسعة ليرى هذا الرق المنشور فبقاع الأرض مختلفة هذه أرض رملية فيها كثبان مرتفعة و أخرى كالجبال و الوهاد و الأودية ، و ها هي صحراء صخرية فيها الجبال الرقيقة و الآكام و الظراب و الحرات و هذه أرض خصبة ذات أشجار و أزهار و نبات مختلف الألوان و هذه صحراء ترابية مستوية لا ترى فيها عوجا و لا أمتا 00

و تأمل كل أرض لها حيوان و حشرات ، فلقد بث الله تعالى على الأرض من الدواب و الحشرات و الطيور و الوحوش

و هكذا سيرك في البحار الممتدة على وجه الأرض ، أنظر إلى تلاطم الأمواج و زبدها و ما فيها من الحيوانات و الدواب و المخلوقات التي لا يحصيها إلا الله تعالى ، فمن ساح في أرض الله تعالى رأى العجب العجاب من قدرة الله تعالى في صنعه و خلقه 00

هذا الرق أحبتي في الله من أعمال الربوبية لله عز وجل هذا الرق سُجل بدقة في اللوح المحفوظ ثم نُشر علينا في الدنيا وهذا الرق قبل أن يُنشر أمامنا فهو في داخلنا ، في قلوبنا بمعنى : أن الفطرة السليمة تستوعب هذا الكتاب الذي سُطر لها و تراه بأم عينها من خلال الرق المنشور ، و أقول للإنسان إن كنت تريد أن تفهم ما في الكتاب المسطور اقرأ الرق المنشور ، و قد جعل الله تعالى في أصل خلق الإنسان جميع الأدوات و التي بدورها تعي و تدرك هذا الرق فعند الإنسان سمع و بصر و شم و تذوق و لمس و عقل و قلب وروح كل جارحة متاحة و جاهزة لما خُلقت له ، فمن الذي يحركها أو يعطل عملها ، إنه الإنسان نفسه صاحب الأدوات

كتبه/ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *