الرئيسية / مقالات / تابع فتوى الشيخ عطية في حكم الاحتفال بشم النسيم

تابع فتوى الشيخ عطية في حكم الاحتفال بشم النسيم

فاحتفل أقباط مصر بشم النسيم قوميا باعتباره عيد الربيع، ودينيا باعتباره عيد البشارة، ومزجوا فيه بين التقاليد الفرعونية والتقاليد الدينية. وكان الأقباط يصومون أربعين يوما لذكرى الأربعين التي صامها المسيح عليه السلام، وكان هذا الصوم يبدأ عقب عيد الغطاس مباشرة، فنقله البطريرك الإِسكندري ديمتريوس الكرام ، وهو البطريرك الثامن عشر ” 188 – 234م ” إلى ما قبل عيد القيامة مباشرة ، وأدمج في هذا الصوم صوم أسبوع الآلام ، فبلغت عدته خمسة وخمسين يوما ، وهو الصوم الكبير، وعمَّ ذلك في أيام مجمع نيقية ” 325 م ” وبهذا أصبح عيد الربيع يقع في أيام الصوم إن لم يكن في أسبوع الآلام ، فحرم على المسيحيين أن يحتفلوا بهذا العيد كعادتهم القديمة في تناول ما لذ وطاب من الطعام والشراب ، ولما عز عليهم ترك ما درجوا عليه زمناً طويلاً تخلصوا من هذا المأزق فجعلوا هذا العيد عيدين ، أحدهما عيد البشارة يحتفل به دينياً في موضعه ، والثاني عيد الربيع ونقلوه إلى ما بعد عيد القيامة، لتكون لهم الحرية في تناول ما يشاءون ، فجعلوه يوم الاثنين التالي لعيد القيامة مباشرة ، ويسمى كنسيًّا “اثنين الفصح” كما نقل الجرمانيون عيد الربيع ليحل في أول شهر مايو.

من هذا نرى أن شم النسيم بعد أن كان عيدا فرعونيا قوميا يتصل بالزراعة جاءته مسحة دينية، وصار مرتبطا بالصوم الكبير وبعيد الفصح أو القيامة ، حيث حدد له وقت معين قائم على اعتبار التقويم الشمسي والتقويم القمري معا ، ذلك أن الاعتدال الربيعي مرتبط بالتقويم الشمسي ، والبدر مرتبط بالتقويم القمري ، وبينهما اختلاف كما هو معروف ، وكان هذا سببا في اختلاف موعده من عام لآخر، وفى زيادة الاختلاف حين تغير حساب السنة الشمسية من التقويم اليولياني إلى التقويم الجريجوري. وبيان ذلك : أن التقويم القمري كان شائعا في الدولة الرومانية ، فأبطله يوليوس قيصر، وأنشأ تقويماً شمسيا ، قدر فيه السنة ب 25، 365 يوما ، واستخدم طريقة السنة الكبيسة مرة كل أربع سنوات ، وأمر يوليوس قيصر باستخدام هذا التقويم رسميا في عام 708 من تأسيس روما ، وكان سنة 46 قبل الميلاد، وسمى بالتقويم اليولياني، واستمر العمل به حتى سنة 1582 م حيث لاحظ الفلكيون في عهد بابا روما جريجوريوس الثالث عشر خطأ في الحساب الشمسي ، وأن الفرق بين السنة المعمول بها والحساب الحقيقي هو 11 دقيقة ، 14 ثانية ، وهو يعادل يوما في كل 128 عاما ، وصحح البابا الخطأ المتراكم فأصبح يوم 5 من أكتوبر سنة 1582 هو يوم 15 أكتوبر سنة 1582م وهو التقويم المعروف بالجريجوري السائد الآن . وعندما وضع الأقباط تاريخهم وضعوه من يوم 29 من أغسطس سنة 284م الذي استشهد فيه كثيرون أيام ” دقلديانوس” جعلوه قائماً على الحساب اليولياني الشمسي ، لكن ربطوه دينيا بالتقويم القمري ، وقد بنى على قاعدة وضعها الفلكي “متيون” في القرن الخامس قبل الميلاد، وهو أن كل 19 سنة شمسية تعادل 235 شهرا قمريا ، واستخدم الأقباط هذه القاعدة منذ القرن الثالث الميلادي . وقد وضع قواعد تقويمهم المعمول به إلى الآن البطريرك ديمتريوس الكرام ، وساعده في ذلك الفلكي المصري بطليموس .

وبهذا يحدد عيد القيامة “الذي يعقبه شم النسيم” بأنه الأحد التالي للقمر الكامل “البدر” الذي يلي الاعتدال الربيعي مباشرة. وقد أخذ الغربيون الحساب القائم على استخدام متوسط الشهر القمري لحساب ظهور القمر الجديد وأوجهه لمئات السنين “وهو المسمى بحساب الألقطي” وطبقوه على التقويم الرومانى اليولياني ، فاتفقت الأعياد المسيحية عند جميع المسيحيين كما كان يحددها التقويم القبطي، واستمر ذلك حتى سنة 1582م حين ضبط الغربيون تقويمهم بالتعديل الجريجوري . ومن هنا اختلف موعد الاحتفال بعيد القيامة وشم النسيم.

أستمحيك عفواً أيها القارئ الكريم إذْ أتعبتك بذكر تطورات التقويم وتغير مواعيد الأعياد، إذ قد لخصتها من عدة مواضع من كتاب “تاريخ الحضارة المصرية ، ومن بحث للدكتور عبد الحميد لطفي في مجلة الثقافة “عدد 121” لسنتها الثالثة في 22 / 4 / 1941م ومن منشورات بالصحف: الجمهورية 15/4/1985، الأهرام 20/4/1987، 11/4 /1988 فإني قصدت بذلك أن تعرف أن عيد الربيع الحقيقي ثابت في موعده كل عام، لارتباطه بالتقويم الشمسي . أما عيد شم النسيم فإنه موعد يتغير كل عام لاعتماده مع التقويم الشمسي على الدورة القمرية ، وهو مرتبط بالأعياد الدينية غير الإسلامية ، ولهذه الصفة الدينية زادت فيه طقوس ومظاهر على ما كان معهوداً أيام الفراعنة وغيرهم، فحرص الناس فيه على أكل البيض والأسماك المملحة، وذلك ناشئ من تحريمها عليهم في الصوم الذي يمسكون فيه عن كل ما فيه روح أو ناشئ منه، وحرصوا على تلوين البيض بالأحمر، ولعل ذلك لأنه رمز إلى دم المسيح على ما يعتقدون وقد تفنن الناس في البيض وتلوينه حتى كان لبعضه شهرة في التاريخ.

فقد قالوا : إن أشهر أنواع البيض بيضة هنري الثاني التي بعث بها إلى “ديانادى بواتييه” فكانت علبة صدف على شكل بيضة بها عقد من اللؤلؤ الثمين ، كما بعث لويس الرابع عشر للآنسة “دى لا فاليير” علبة بشكل بيضة ضمنها قطعة خشب من الصليب الذي صلب عليه المسيح ، ولويس الخامس عشر أهدى خطيبته “مدام دى بارى” بيضة حقيقية من بيض الدجاج مكسوة بطبقة رقيقة من الذهب ، وهى التي قال فيها الماركيز “بوفلر” لو أنها أكلت لوجب حفظ قشرتها “مهندس/ محمد حسن سعد – الأهرام 25 من أبريل 1938.

وقيصر روسيا “الإِسكندر الثالث” كلف الصائغ “كارل فابرج” بصناعة بيضة لزوجته 1884م ، استمر في صنعها ستة أشهر كانت محلاة بالعقيق والياقوت ، وبياضها من الفضة وصفارها من الذهب ، وفى كل عام يهديها مثلها حتى أبطلتها الثورة الشيوعية 1917م.

وبعد، فهذا هو عيد شم النسيم، الذي كان قومياً ثم صار دينياً، فما حكم احتفال المسلمين به؟ لا شك أن التمتع بمباهج الحياة من أكل وشرب وتنزه أمر مباح ما دام غيره،ِطار المشروع، الذي لا ترتكب فيه معصية ولا تنتهك حرمة ولا ينبعث من عقيدة فاسدة. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (المائدة:87)، وقال: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (لأعراف: من الآية32). لكن هل للتزين والتمتع بالطيبات يوم معين أو موسم خاص لا يجوز في غيره ، وهل لا يتحقق ذلك إلا بنوع معين من المأكولات والمشروبات ، أو بظواهر خاصة؟ هذا ما نحب أن نلفت الأنظار إليه. إن الإِسلام يريد من المسلم أن يكون في تصرفه على وعي صحيح وبُعد نظر، لا يندفع مع التيار فيسير حيث يسير، ويميل حيث يميل، بل لا بد أن تكون له شخصية مستقلة فاهمة، حريصة على الخير بعيدة عن الشر والانزلاق إليه، وعن التقليد الأعمى، لا ينبغي أن يكون كما قال الحديث ” إمَّعة ” يقول : إن أحسن الناس أحسنت ، وإن أساءوا أسأت ، ولكن يجب أن يوطِّن نفسه على أن يحسن إن أحسنوا، وألا يسيء إن أساءوا ، وذلك حفاظًاً على كرامته واستقلال شخصيته ، غير مبال بما يوجه إليه من نقد أو استهزاء ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- نهانا عن التقليد الذي من هذا النوع فقال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) رواه البخاري ومسلم .

فلماذا نحرص على شم النسيم في هذا اليوم بعينه والنسيم موجود في كل يوم ؟ إنه لا يعدو أن يكون يوما عاديًّا من أيام الله حكمه كحكم سائرها ، بل إن فيه شائبة تحمل على اليقظة والتبصر والحذر، وهى ارتباطه بعقائد لا يقرها الدين ، حيث كان الزعم أن المسيح قام من قبره وشم نسيم الحياة بعد الموت .

ولماذا نحرص على طعام بعينه في هذا اليوم، وقد رأينا ارتباطه بخرافات أو عقائد غير صحيحة، مع أن الحلال كثير وهو موجود في كل وقت، وقد يكون في هذا اليوم أردأ منه في غيره أو أغلى ثمنا.
إن هذا الحرص يبرر لنا أن ننصح بعدم المشاركة في الاحتفال به مع مراعاة أن المجاملة على حساب الدين والخلق والكرامة ممنوعة لا يقرها دين ولا عقل سليم ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه اللّه مؤونة الناس ، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكَّله اللّه إلى الناس) رواه الترمذي ورواه بمعناه ابن حبان في صحيحه.

شاهد أيضاً

(( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8) ))

(( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8) )) & لمن العذاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *