حسرات

حسرات

نار لها أبواب سوداء مظلمة ، لها أعماق و دركات و فيها أودية و سجون و معتقلات و سلاسل و أغلال ، فيها طعام و شراب و فراش و ملابس و أسِرة من نار, فيها عذاب معنوي و عذاب حسي جسدي, فيها الشتم والسب و الملاعنة ، فيها محاورات و مناظرات فيها خطبة الشيطان ـ عياذا بالله تعالى ـ ، فالنار حياة ، حياة خلود لمن هم أهلها ، حياة مثل الدنيا ، بتفاصيلها ، يعيش فيها أهلها و قد عاشوها في الدنيا من قبل وعاشوا السجون سجن النفس و الروح،عاشوا أسر القلب ” القلب الأسير أسير الشهوات ” ,” حُفت النار بالشهوات ” ,عاشوا الحرمان و النقصان و الفقر الحقيقي في قلوبهم ، عاشوا الهم و الغم والضيق و الحزن و الاكتئاب  والرهاب الاجتماعى  والارهاب ، عاشوا الوحشة و البُعد عن كل نعيم حقيقي ، هنا في الدنيا ، عاشوا الحسرة عاشوا التمزق و التيه و الضياع و الإفلاس الحقيقي هنا في الدنيا ، عاشوا النار ، عاشوا ضياع أحلامهم هنا عاشوا كُره الناس لهم ، عاشوا تصدع بنيانهم هنا عاشوا التلاعن هنا و السباب ، عاشوا الفساد و الكبر و الخيانة و الدهاء و المكر و الخديعة و الكذب ، عاشوا التهور و الجُبن و البخل و التراجع و التردد و الوهم و الظن ، عاشوا الردة و الانتكاس و الارتكاس عاشوا النار هنا ، ألفوها و ألفتهم ، عايشوها و عرفتهم سعوا إليها و التقمتهم ، سارعوا إليها فقبضت سلسلتهم و قيدتهم و أفزعتهم 00 إلى آخر تفاصيل عذاب الدنيا ” الوهِن ” و عذاب الآخرة 000فكيف يتجاهل عاقل الدنيا بما فيها من جنة و نار ؟

كيف يقول و تسول له نفسه أنه سيعلم  وسيرى الجنة عندما يموت لأنها أمر غيبي ، كيف يتجاهل الكون بما فيه 00 و كأن لسان حاله ما خلق الله تعالى من شيء ، و كأنه عافاكم الله أعمى و أصم و أبكم و كأنه لم ير ليل و لا نهار و لا شجر و لا نهر و لا بحر هو لم ير شيء ، لقد أضل نفسه و أضل غيره و عمل على تجهيل الأمة الإسلامية ، فما وجد الناس إلا النزاع على السُلطة والكرسي ، ما وجدوا الا الحروب والفتن واللهث وراء الدنيا ، لأنهم وجدوا أن أصحاب الدين إلا من رحم الله تعالى ما عندهم شيء ، ما في جديد ، ما في إبداع ما في أمل  فى الانطلاق الى سعة الفهم والتصور  الا ان يشاء الله ،

يقول أحدهم أين أنتم من أبي بكر و عمر و عثمان رضي الله عنهم و نسي أن القابض على دينه ، في زمن الغربة الثانية  , زمن الفتن قد يصل أجره إلى خمسين من الصحابة , هو ينظر بعين واحدة ، ينظر بمنظار أسود ، يحدث الناس عن الشجاع الأقرع ، عن منكر ونكير ، عن عذاب القبر من منظار واحد ، و يركز على هذا و يصرخ و يبكي و كأن هذه المشاهد لكل المسلمين ، فيبدأ الناس بالقنوط ومعاني الإحباط  تدب في نفوس  القاعدة العريضة من الناس فيبدأ بعضهم يتحول إلى الدنيا , على الأقل أن الدنيا فيها أموال و مراكز و شهوات و كذا و كذا 00 أما الآخرة فدعها عنا الآن لما نموت ربنا يسهل 00انها تبدو كئيبه وكما صوروها سلفا ومنذ القدم

إني أحدثكم اخوتاه بلغتهم باللغة العامية حتى تتصوروا الأمر ، إنه في منتهى الخطورة 00 هل عرفتم أوبئة الأمة من أين جاءت ؟ و ما مصدرها ؟ من عدم الفهم نحن نعاني من قصور في الفهم  بوجه عام  اقول اين الذين ودعوا الاحزان منذ ان تعلموا اليقين وترقوا فى مراتبه ودرجاته  ودعوه الى غير رجعة  ذهاب وغياب لا اياب بعده  فانا لم نخلق لنحزن  ولم نوجد لنتألم ولم نأت الحياة لنتوجع بل اسمع لقولهم لتعلم مدى سعادتهم ومدى يقينهم “انه لتمر بالقلب  اوقات يرقص فيها طربا ” اقول  ان كان اهل الجنة فى مثل هذا انهم لفى عيش طيب ” وها هو شيخ الاسلام الذى يرميه البعض بالارهاب والتشدد يقول رحمه الله” ولست ارى السعادة جمع المال ولكن التقى هو السعيد  وتقوى الله خير الزاد ذخرا وعند الله للاتقى مزيد ”  وهاهو ابراهيم ابن ادهم يقول لو يعلم الملوك وابناء الملوك مانحن فيه من النعيم والسرور لجالدونا بالسيوف  وقال ابن تيمية رحمة الله “ان فى الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الاخرة”  حمل ثقيل ينقله المؤمن عن كاهله ليرمى به فوق كتف من لا يؤمن بالاخرة  ليعذبه الله فى الدنيا بالاحزان قبل الاخرة  ايها المؤمن قف معى على شاطئ السعادة كما وقف الاولون  وخذ منها متاعك وانوارك وتزود منها  ليوم اليعاد  وهى لك وحدك ومحرمة غاية التحريم على كل كافر   خدعوك فقالوا ان السعادة التى هى نعيم الجنة فى الدنيا والاخرة  ليست حكرا على المسلمين الموحدين انما هى مشاع  ملكا للجميع  وان الله يحب كل العباد لانهم خلقه  وكانهم ما قرؤوا القرءان ابدا ولا حول ولا قوة الا بالله  اين هم من قوله تعالى “ان الله لا يحب الكافرين”

قد يقول قائل الآية { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } بمعنى تمسك بالمنهج التعبدي لله تعالى ، من أحكام و أوامر و نواهي و حدود ، التزم بهذا فقط ، ما عليك من الغيبيات ، و عندما يأتيك الموت ستعلم و سترى و ستفهم ، أقول : لا ، لابد للمسلم أن يربي قلبه على غيبيات الآخرة ، يرفع من تصوره و مشاعره و أحاسيسه كأن الغيب عنده رأي عين ، فالآن يرى بعين قلبه وغدا عند الموت وبعد الموت يرى معاينة ، أما أنه لا يرى هنا بقلبه و ينفي الرؤية تماما بحجة أن هذا أمرا غيبيا ، هذا لا يُصدق ، من عاقل ، فلا يُتصور أنك ستسكن دارا جديدة في الدنيا و أنت لم ترها و تتعرف عليها قال تعالى “ويدخلهم الجنة عرفها لهم” و تختار فُرشها و تزرع حولها و تُعين حدودها و موقعها صيفا و شتاءً 00 و في أي طابق ، و سعرها و ما يجاورها ، و فجأة يقال لك هيا لتسكن هذه الدار ، أنت تجهلها تماما ، لا تعرف عنها شيء ، و ليست هي في بالك و كأنها سقطت عليك فجأة ، هذا في عموم سنن الحياة شبه محال ، فالذي يركن إلى مثل هذا الفهم أنا لا أدري ماذا أسميه !

احبة الايمان

وإياكم أن تظنوا أن الجنة شيء عشوائي  , بمعنى أن الإنسان فهم  او  تصور أو لم يتصور سيدخلها و ينتهي الأمر ، لا إنها سلعة الله تعالى الغالية الذي لم يفهم هذا سيفهم حتما و لابد في الحياة البرزخية إن ملائكة العذاب سيفهمونه  و لذلك نجد أن بعض المسلمين سيدخلون النار ، لماذا ؟ ليتطهروا ، ليس فقط من السرقة و الزنا و كذا وكذا إنما أيضا من سوء الفهم ، أو من عدم الفهم قال تعالى “ففهمناها سليمان” لابد اذا من الفهم والادراك والتامل والتصور والتفكر اما

” الجهل ” أو الذى  وضع حاجزا و سورا حديديا بينه وبين الفهم ، لا يريد أن يفهم لا يبحث ، لا يستنبط لا يفكر لا يتدبر لا يسعى في فهم أمور الآخرة ، لا يربط الدنيا بالآخرة ، لا يبحث في أسرار أسماء الله الحسنى و صفاته العلا ، لا يدعو الله أن يعلمه و يفهمه ،

قال تعالى : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ79) } الأنبياء

وقال تعالى{ فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65) } الكهف

فلك أن تتصور تفاصيل حياتك  في البرزخ !

و تأمل هذه الآية جيدا قال تعالى :{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  (24) } محمد

لو أن القلب وضع عليه قفل عياذا بالله تعالى فلا الظلمات تخرج و لا النور يدخل و معنى

” النور ” أي : التدبر والفهم عن الله تعالى ، معرفة مراد الله تعالى ، فهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم و العمل بما شرع الله تعالى ، تصور حياة الإنسان كيف تكون بلا فهم , بالطبع سيكون أضل من الحيوان ، سيفعل كل الموبقات ، بل قد يدمر نفسه  ويدمر  بلادا

إذا أصل المشكلة عدم الفقه في الدين لذلك ” من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ”

قال تعالى{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ  (142)}  آل عمران

أليس من المعلوم أن أرقى وأرفع أنواع الجهاد هو جهاد العلم ، الصبر على تحصيله و تعلمه و فهمه ثم تعليمه و نشره 0 ابتغاء مرضاة الله تعالى , أين هذا في حياتنا ؟

صار تلقي العلم للوظيفة إلا من رحم الله تعالى..

اخوتاه //

“وان لنا للاخرة والاولى”

و الآخرة تبدأ بموت الإنسان ونقله إلى أول منازلها القبر فإن كان مؤمنا و مات على عمل صالح فهنيئا له يُفسح له في قبره و ينور مد بصره ، و يُفرش له في قبره من فُرش الجنة ، و تضمه الأرض ضمة لينة ، ضمة الأم لولدها بعد طول غياب ، و يؤنسه عمله الصالح في أحسن صورة بعد ما يثبته الله تعالى بالرد على الملكين عليهما السلام , لقد رأى مقعده في الجنة بعدها ينام نومة العروس بعد أن يقول ” رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي و مالي ” فيقال له : ” نم نومة العروس لا يوقظك إلا أحب الناس إليك 00 ”

و السؤال ؟

من يملك له هذا ؟ من يضمن له هذا ؟ من يعطيه هذا و خاصة بعد أن رجع أهله و ماله ، بعد ما تركوه وحيدا في قبره ؟ من يملك هذا إلا الله تعالى ، لقد بدأت أرزاق الآخرة ، هذه أول أرزاقه ، فرزق الله تعالى ليس فقط في الدنيا ، ليس فقط في المال و الأولاد إنما يتابع الله تعالى عطاؤه و كرمه وجوده لعباده المؤمنين في دار البرزخ  ثم في يوم القيامة ثم  في الجنة دارالنعيم 0

إنها الحياة البرزخية ، لقد خرج من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ،

لقد رأى مقعده في الجنة و زاد  مُلكه وأصبح بصره  حديد، لقد ترقى و حسُن استقباله 0

لقد اُستقبلت روحه أحسن استقبال ، كُرمت روحه و بُشرت وفُتحت لها أبواب السماء ،

زُفت زفة ملائكية عظيمة انتشر عبقها و شذاها و ملأ أركان السماء بطيب ريحها الذي من جنس عملها بفضل الله تعالى ، عُرج بها حتى سجدت تحت عرش الرحمن ثم حُجز لها مكان عند

” اسرافيل ” ثم تنزل مرة أخرى لجسد صاحبها حتى يتم سؤاله و كأنها تودع الجسد و تودع الأرض و لكن لها اتصال به كالشمس و شعاعها الممتد إلى الأرض هكذا عطاء الله تعالى بعباده المؤمنين

كتبه/ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *