الرئيسية / مقالات / رساله العصر

رساله العصر

قال تعالى : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل و قرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) الاسراء

فيذهب المؤمن ليضع أحماله و أثقاله على باب الرحمن ، و يسأله التوفيق و العون ، ثم بعد هذا يأتي وقت ” القيلولة ” ليمد له بساط الراحة و الاسترواح ليهنأ قليلا و يستريح ثم يستأنف الطريق إلى الله و لله الحمد ثم يأتي زمان ” العصر ” خريف اليوم المثقل بثمار الأعمال ، جيدها و رديئها ، و هذا الوقت يشير بانحدار شمسه نحو المغيب ، يشير إلى شيخوخة الإنسان ، و تنتفض روح المؤمن في هذه الساعة للتمرد على الفناء ، فهي تسعى إلى الخلود ، فهو يعشق البقاء ، و يتألم من الزوال ، فيتحرك الزمن يهمس إليه ، قم أيها العاشق للخلود ، قم إلى سر الحياة ، قم إلى صلاتك ، قرة عينك ، قم إلى نعيمك و خلودك ، قم و لا تحزن ، فلا خوف عليك ، قم و اسبح في بحار السرمدية ، و تأمل جمال الرحمن على ضفاف الأبدية ، قم و التمس البقاء من الباقي ، واحتمي من الفناء بالحي القيوم ، الذي يقول : ( كل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الاكرام )

هذه هي رسالة ” العصر ” لكل عصر هذا هو قرآن ” العصر ” فكل زمان له قرآنه و بيانه ، و كأن شمس النهار بخرت الماء الذي في الصلصال ، فخف البدن و قامت الروح فرحة تذكر الله تعالى فترى المؤمن البصير يركع و يسجد في صلاة ” العصر

((( الرحمن 0 علم القرآن 0 خلق الإنسان 0 علمه البيان )))

مستحضرا في ذهنه هذه المعاني ، و التي تنسج في روحه في كل ركعة و سجدة ثوب بقائه و رداء خلوده و لله الحمد ,ثم يطل ” المغرب ” بهيبته ووقاره ، انه وقت مهيب فترى الشمس ، شاحبة ، هزيلة ، منهكة و ضعيفة ، تمضي على مهل نحو المغيب ،

تذكرة                                       

وقد كانت تجري طوال النهار ، مأمورة بهذا ، و الآن هي تخلف وراءها ظلالا باهتة و أشباحا ناحلة من صور الأشياء و المرئيات و رسالة الشمس إلى الإنسان ، أن يا إنسان كما أنا أغيب الآن عن ناظريك و أنا التي كنت منذ قليل ممتلئة حيوية و نشاطا و فتوة و شبابا ، ها أنا ذا أمامك أتوارى ، و أنت مثلي تماما ، ستغيب يوما ما عن هذا العالم ، فاذكر وقت مغيبك ، اذكر ربك ، فها هو الظلام يغمر الدنيا بكسائه الأسود ، انه الليل الأصغر ، فلا تنس الليل الأكبر ، إني أذكرك فلا تنس ، إني أهمس في أذنيك : ألا ترى أن كل شيء تحبه يغرق غائصا في ظلمة الليل منطويا تحت جناح الليل المظلم ، و ساريا في ثنايا أسراره فلا تغتر بما تجد ، و لا تفرح بما تكسب ، ستفارقه يوما ما ، أو يفارقك ، تعلق بالباقي تبق ، و تشبث بالخالد تخلد ، و أحب الحي القيوم تحيى 00 و صل تزداد نورا و ضوءا مهما اشتد ظلام الدنيا حولك ، رسالتي إليك رسالة اطمئنان و سكون لبدنك و روحك رسالة من خلال الادلاج من عالم النور إلى عالم الظلام مقدرة لك بل رسالة من عالم النور إلى عالم النور 00 فنور صلاتك يفوق نور نهارك فلا تحزن ، و غدا تسعى أنوارك مع من تحب بين يديك و من أمامك فلا تفتر ، قم لأنوارك ، قم لجناتك حي على الصلاة 00 حي على الفلاح 00 قم و صل للرحمن و لله الحمد 0

ثم يأتي وقت ” العشاء ” و كأنه ينشر كفته الأسود على وجه الأرض و التي تبدو ميتة ، معلنا بهذا انتهاء يوم من أيام الدنيا ، هذا الليل يأتي مثقلا بأعمال البشر بكل خيرها و شرها إلى حافظة الزمن و التي تسجل كل صغيرة و كبيرة ، هكذا تمضي صحيفة الزمان ، صحيفة النهار البيضاء تجرجر بقايا نورها ، و تختفي وراء أفق السماء ، و تنشر صحيفة الليل السوداء مذكرة الإنسان

الغافل بقدرة مقلب الليل و النهار ، و مسخر الشمس و القمر ، كما هو شأنه عندما يطوي بساط الربيع الأخضر من فوق سطح الأرض و يستبدل به ذلك البساط البارد المثلج الأبيض أيام الشتاء ، فسبحان الجامع الذي يجمع بين بياض النهار و سواد الليل ، حر الصيف و برد الشتاء ، ف ” الليل ” ضمن رسالته ، فانه يذكر بحفظ أعمال النهار في خزائنه و هو يذكر بمقلب الليل و النهار ، فليحذر كل إنسان تقلب قلبه ، و تحول عافيته ، و السلب بعد العطاء ، هذا الليل يحمل له للإنسان رسالة العالم الصامت الذي حوله و لا يسمعه ، إن الليل يسمعه طرقات البلى و معاول الفناء على أسوار الدنيا ، حتى إن الإنسان ليدوي في أسماعه طنين الهلاك ، و يحس في روحه عويل الفناء ، و يصغي بقلبه المرتجف إلى قوله تعالى : ( لمن الملك اليوم ) ؟! إن الليل يظهر عجزه ، و يبين فقره إلى من بيده نجاته من ظلمات الغد و ليل العالم الكبير القادم قدوم كل ليل في آخر النهار و كأن ظلمات الآخرة هي مجموع ظلمات الدنيا ، و ما أكثر ظلمات الدنيا ، هذه رسائل الليل إلى الإنسان ، لأن الإنسان جزء من الكون ، و بعد أن خلع المؤمن الدنيا من قلبه و جوارحه و قدم إلى ربه تعالى ، ليخرج من ظلمات الدنيا إلى أنوار الآخرة ، انه يقوم بخدمة سيده في خاتمة يومه و قبل أن يخلد إلى النوم أو إلى الموت ، انها الموتة الصغرى و التي تجره و تسربله في كفن لا يدري أيخرج منه أم لا ! لا يعلم ماذا سيجري عليه بعد أن أغمض عينه و عقد  عقد أكفانه ، ثم ثمة رسالة هامة من صلاة العشاء الينا

تقول الرسالة اخوتاه

*** سجدة الكون ***

إذا كانت السماوات و الأرض يبيتون سجدا لله سجدتهم الكبرى فما أجمل أن يأخذ الإنسان أيضا مكانه في صف الساجدين على سجادة الليل المبسوطة بين أقطار السماوات و الأرض مكبرا مع تكبيرة الوجود لينال أجر صلاة الجماعة الكونية العظمى ، فصلاة العشاء هي معراج المؤمن و التي يسمو بها و يشاهد من عليائه نصيبه من آيات الله تعالى ، آيات الرحمة من الرحمن

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

بناء النفس !! كيف يكون

بناء النفس !! كيف يكون بناء النفس بناء يصل إلى عنان السماء ، بناء لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *