الرئيسية / مقالات / سؤال هام ؟

سؤال هام ؟

سؤال هام ؟

وهنا سؤال هام كيف نجمع بين وصف الله عز وجل بأنه الآخر الذي لا شيء بعده و بقاء المخلوقات في الجنة و دوامها و أبديتها ؟

لا شك أن بقاء أهل الجنة  والنار أبدا يبدو في الظاهر متعارضا مع إفراد الله عز وجل بالبقاء و الآخِر الذي ليس بعده شيء ..

لابد هنا أن نفرق في قضية البقاء بين ما يبقى ببقاء ” أي بقاء ذاتي ”  و ما يبقى بإبقاء الله تعالى

أو نفرق بين بقاء الذات والصفات الإلهية وبقاء المخلوقات التي أوجدتها الصفات الإلهية ، فالجنة مثلا باقية بإبقائه  , وصفاته العلا باقية ببقائه 0 وشتان بين ما يبقى ببقائه و ما يبقى بإبقائه, فالجنة مخلوقة خلقها الله تعالى كائنة بأمره ورهن مشيئته و حكمه 0

فالبقاء ليس من طبيعة الأشياء و المخلوقات و لا من خصائصها الذاتية , بل من طبيعتها جميعا كمخلوقات خلقها الله عز وجل من طبيعتها جميعا الفناء ، فالخلود ليس لذات المخلوق أو طبيعته و إنما هو بمدد دائم من الله تعالى و ابقاء مستمر لا ينقطع ..

قال تعالى { فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون (36) } الشورى     

وقال تعالى{ وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60) } القصص   

{ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (17) } الأعلى

[ منة القدير / ج 1 / د ـ الرضواني ]

فمن الذي يفعل ذلك سوى الله تعالى..

أما صفات الله عز و جل ومنها وجهه و يده و عينه

قال تعالى : { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) } القصص            

{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) } الرحمن

وعلوه و رحمته و عزته و قوته وملكه  , فهي صفات باقية ببقائه ملازمة لذاته , باقية ببقاء ذاته عز وجل حيث البقاء صفة ذاتية له ، كما ان الأزلية صفة ذاتية له ، فلابد أن نفرق بين صفات الأفعال الإلهية و أبديتها و بين مخلوقات الله الأبدية و طبيعتها ..

[ منة القدير / ج 1 / د ـ الرضواني ]

قال الإمام الطحاوي : ما زال بصفاته قديما قبل خلقه لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته و كما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا..

ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق و لا بإحداث البرية استفاد اسم الباري

له معنى الربوبية و لا مربوب و معنى الخالق و لا مخلوق 00

فالله تعالى هو الخالق في الأزل لا بداية لذلك أما مخلوقاته فهي متنوعة متجددة يخلق ما يشاء و يفعل ما يشاء فهو رب قبل وجود العالمين و حال وجودهم و بعد وجودهم هو رب العالمين

و الآية   { وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى } تدل على غناه سبحانه فهو الغني كل شيء إليه فقير ، فكمال الآخرة مستمد من الله الحي أما هو فلا يستمد وصفه من خلقه و لا يمكن لملك الملوك أن يفتقر إلى شيء في ملكه { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) }  فاطر

فكماله يشمل صفات الذات و صفات الفعل

والآخرة تشمل الجنة و النار و هما مخلوقتان موجودتان الآن و قد ثبت في صحيح مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم : ” رأيت الجنة و النار ”

[ 1 / 320 / (462) ]

قال تعالى{ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13)عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ (15) } النجم

و ثبت في صحيح مسلم في كتاب الكسوف باب ما عُرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة و النار ” ثم جيء بالجنة و ذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي و قد مددت يدي و أنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه ثم بدا لي أن لا أفعل فما شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه ”

[ 2 / 623( 904) ]

كيف بأمة تزلف الجنة لرسولها في الدنيا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم : ” دخلت الجنة البارحة فنظرت فيها فإذا جعفر يطير مع الملائكة و إذا حمزة متكئ على سرير ”

[ صحيح الجامع / 3363 ]

” دخلت الجنة فاستقبلتني جارية ” حورية ” شابة فقلت : لمن أنت ؟ قالت : لزيد ابن حارثة ” [صحيح الجامع / 3366]

و هكذا أحاديث كثيرة و صحيحة تبدأ ب ” دخلت الجنة 000 ”

و الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الجنة و النار و أخبر أن الفردوس الأعلى من الجن فوقها عرش الرحمن و أن أثر النار و نفسها يظهر في الشتاء و الصيف و كل ذلك دليل قاطع على وجودهما الآن في الأولى 0 كما أن الجنة موجودة تحت العرش بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم و أن العرش فوق الفردوس كالسقف بالنسبة لها و أما النار فمحلها لا يعلمه إلا الله 0 فلم يثبت حديث مرفوع نعتمد عليه في ذلك 0

ولذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الجنة والنار حقيقة لا مجازا و لا مناما فقط ، استطاع بإذن الله تعالى أن يصفها للصحابة رضي الله عنهم وكأنها  لهم رأي عين كما في حديث حنظلة رضي الله عنه  عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ ، قَالَ : – وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ : لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ : كَيْفَ أَنْتَ ؟ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ : قُلْتُ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ ، قَالَ : سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ ، فَنَسِينَا كَثِيرًا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْتُ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ ، يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « وَمَا ذَاكَ؟ » قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ ، نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي ، وَفِي الذِّكْرِ ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً » ثَلَاثَ مَرَّات

ليس الخبر كالمعاينة

و لكن فالقلب الذي رأى بعين البصيرة يختلف عن معاينة العين نفسها للحقيقة , فليس الخبر كالمعاينة ، فالنبي صلى الله عليه وسلم شاهد الآخرة حقيقة ، رأى قصره الأبيض وقصرعمر رضي الله عنه وسمع دف نعلين بلال رضي الله عنه و شم رائحة أولاد ماشطة فرعون ، و رأى نهر الكوثر و بلغ سدرة المنتهى ، و رأى النار وأهوالها و عرف أناس فيها و هكذا ، فتصور نبي يرى كل هذا على وجه الحقيقة كيف يكون وصفه ؟

كيف سينقل هذه الحقائق ؟

فالداعية الذي رأى هذا بقلبه كأنه رأي عين غير الداعية الذي يقرأ الخبر مجرد قراءة ثم يوهم نفسه وغيره أن هذا من الغيب وأن الإنسان عندما يتحول إلى الآخرة فسيرى ، ثم يأتي بشاهد حق يراد به باطل ” فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطرعلى قلب بشر ” و انتهى الأمر ! ما هذا ؟!

والباطل هنا أنه يعمل على تجهيل الأمة ، يعمل على توقف العقل ، فلا يتصور ولا يفهم ، فقط يفوض الأمر والكيفية بجملتها إلى الآخرة 00 وانى اتساءل لماذا اذا هذا الكون الفسيح ان لم نستفد به قال تعالى “واتوا به متشابها”

إذا ماذا يفعل الناس و عوام الناس ، لقد أغلق الباب و أسدل ستائر النسيان ، و لسان حاله انتظر أيها المسلم موتك و بعد الموت سترى ؟َ!قال تعالى”قال رب لم حشرتنى اعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك اتتك ءاياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى” طه

إنه التخلف بعينه إذا لماذا حديث حنظلة ” كأنا رأي عين ” إذا لماذا أذِن الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم أن يرى الجنة و النار ، هل يرى لشخصه فقط أم ليصف للناس ليتصور الناس ، ليزيد إيمانهم و يقينهم بالآخرة ليفرح الناس بفضل الله تعالى ، ليأتي أقوام بعده يؤمنون بالغيب و يصفون هذا للناس ، ثم أليس الله تعالى وصف لنا هذا في القرءان الكريم والسُنة المطهرة

وصف لنا الأشجار و الأنهار و الحور العين و الولدان و الغلمان و الحدائق و الفواكه و سيدة  القصر زوج الدنيا ، و العُرب الأتراب ، و الظلال و الخيام و المساكن و القصور و البيوت و الغرف و الذهب و الفضة و الزواج و الترفيه في الجنة , والأسِرة و الغناء من الحور العين و ماذا يقلن ، ووصف لنا نساء أهل الجنة ، و غير ذلك من أنواع النعيم فهل هي مجرد أخبار تتلى على السامع من القرءان و السُنة ؟

أم هي حقيقة ممكن للإنسان صاحب البصيرة أن يتصورها و يفرح بها بل و يعيشها و ينتظرها و يشتاق لها , بل هي التي تشتاق له كما اشتاقت الجنة , كما في حديث أنس رضي الله عنه : ” ان الجنة لتشتاق إلى ثلاثة على و عمار و سلمان ”

[ صحيح الجامع 8951 ]

وغير ذلك أليس الله تعالى خلق لنا كونا كتابا مرئيا مسموعا مشاهدا ، ملموسا مشموما ، فيه من المشاهد الشيء الكثير ، هذا الكون نعيش فيه ليل نهار نرى فيه أشجارا و جبالا و أنهارا و ظلالا و نخيلا و أعنابا و أزواجا من كل شيء ، نرى جمالا و إبداعا و دقة و إبهارا ، نرى الزروع و الحيوانات و الطيور نرى سقفا محفوظا فوق رؤوسنا السماء ، بأقمارها و شموسها و نجومها و كواكبها ، مجرات و أفلاك ، زينة و جمالا نرى أمطار و سحب ، نرى ندى الصباح و غيوم و ظلمات و نور الصباح ، ريح و رياح ، صواعق كسوف خسوف زلازل و براكين و فيضانات ، نرى من صفات الجمال و صفات الجلال نرى أفعال الله تعالى متحققة في واقع دنيانا

00 نرى في الكون جمال الجنة و دقة الصُنع ، نرى العطر و الرياحين و الفل و الياسمين و الفواكه اللذيذة ، و الرياح الطيبة الجميلة ، نرى قطرات المطر الرقيقة من صفحة السماء ، أليس في كل هذا و غيره مؤشرا على جمال الجنة ، فإن كان هذا الجمال نراه و نحسه و نلمسه ونتذوقه و نشمه هنا في الدنيا فما بالكم بالآخرة ،

ما ظنكم بالجنة قال تعالى : { وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً } تشابه في الأسماء فقط إنما شتان بين مخلوقات الدنيا و مخلوقات الجنة ، بين منغصات الدنيا و عذاب الآخرة 000 فرق كبير بين الجمال هنا و الجمال هناك و تختلف المعادن و مادة الصُنع ، فرق بين جمال خُلق من تراب و جمال خُلق من مسك و زعفران و نور و ذهب و فضة ، و ليس ذهب الدنيا كذهب الجنة ، ليس الشيء المخلوق للفناء كالشيء المخلوق للأزل و الأبد ، شتان بين هذا و ذاك فرق بين نار الدنيا و نار الآخرة ، فنار الدنيا جزء من سبعين جزء كما في حديث أبي هريرة ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ بَنُو آدَمَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ » ، قَالُوا : وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : « فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا »

[ حَسَنٌ صَحِيحٌ ]

اعده/ ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *