الرئيسية / مقالات / صفة المقرب

صفة المقرب

 

صفة المقرب..

و المقرب إن جاز التعبير كأنه حجر كريم مكنون, مغطى بالرياحين, ليس له بريق في المجتمعات, إنما هو تقي خفي, لكنه إذا ما جلس مع  نظيره من المقربين ظهر و لمع بريقه و إذا انفرد مع نفسه فلا قيمة له عند نفسه ,و لا عند الناس, يعيش الدنيا و كأنه في كهف ,حياته كهف للإيمان ,لا يحب الظهور ,و لا المدح ,صغير عند نفسه كبير عند ربه , كما أن المقرب أفراحه داخل نفسه , جماله و أفراحه تنبع من داخله ,غني النفس قانع بما آتاه الله تعالى,سعيد و راضي عن ربه, دائما منهمك في عمله الصالح لآخر لحظة في حياته ,يخفي عمله و يحفظه ,فيظهره الله تعالى له ,هذا المقرب يرى مواقع ذريته ,ليطمئن عليهم حتى تزداد فرحته و سكينته..

و تستطيع أن تقول أن السمة المشتركة التي تجمع بين مقربين كل عصر و زمان هي ” الإخلاص ” لله تعالى, فعلينا أن نتعلم خط السير إلى الله تعالى, و أن نحسن السير على هذا الطريق, فإذا ما أخلصنا لله تعالى كانت الواقعة حسنة ,تأمل واقعة هذا المقرب, فواقعة الحسنى رحمات دائمات ,تمضي معه إلى الجنات, و كل واقعة لها وقع و أثر و نتيجة لها فرحة أو رنة, لها مدلول ,و كل واقعة يسبقها ملائكة إما ملائكة رحمة, أو ملائكة عذاب ,و فرق بين واقعة الرحمة,وواقعة الخوف و الفزع, كل حسب خاتمته, و الخاتمة تحصيل حاصل لعمره في هذه الحياة الدنيا..

( فأما إن كان من المقربين فروح و ريحان و جنة نعيم )

أحبة القرآن / إن هذا المقرب هو الذي فهم القرآن, و تفحص خزائنه المكنونة ,و كان طاهرا مطهرا ,هذا الذي أخذ من صفات القرآن, أخذ من كرمه و جوده ,و أصالة معدنه, أخذ من نفائسه و آياته ,و إعجازه ,أخذ من قدسيته و طهارته, أخذ من نوره و بصائره, و أخذ من لطفه و حكمته وهدايته..

قال تعالى : ( انه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ) فأنت تشعر أن المؤمن المقرب عبارة عن كنز نفيس, له عمق بل هو خزائن لا تنتهي عجائبه, ذكي العقل, مستنير القلب,جسده طاهر, و روحه صافية شفافة خفيفة, تحلق في الملأ الأعلى مع الصالحين الأخيار..

المقرب لا تمل جلسته ,متجدد دائما,يتميز بالفكر و الفهم و التصور, لا يقلد غيره ,له بصمته الخاصة ,بعيدا عن الناس, لا يخوض معهم, تنعكس أنوار الآخرة على مرآة قلبه ,كما تنعكس أنوار القرآن على قلبه, فالقرآن نور ,و الجنة نور, فتجد صدره منشرح بأنوار القرآن ,و تجد نفسه مبتهجة فرحة, مستبشرة, فروحه طيبة محملة بالأنوار, تشع نورا و لها شذى و عبيرا طاهرا ,يُشم من على بعد ,يشمها من هو مثله على الطريق, فالروح الطيبة لها ريح طيب, أما سمعت ملائكة السماء تسأل عنه ,في هذه الرحلة الطيبة يقولون : هذه روح فلان بن فلان لقد علا اسمه, و انتشر صيته,و طاب رحيقه و طيبه ,لقد طابت روحه ,و تطيبت بطيب القرآن كلام الله تعالى المقدس, لذلك الذي يتعرض للقرآن وجب عليه أن يتطهر ظاهرا و باطنا, فالقرآن لا يمس القلب الملوث بالدنيا ,إن المقرب طاهر البدن ,طاهر القلب و العقل و الروح ,طهارته من طهارة القرآن, طابت له الدنيا و طابت له الآخرة..

قال تعالى : ( طبتم فادخلوها خالدين ) فالمقرب الذي يعيش الدنيا يحمل رسالته الخالدة حتى في آخر لحظات حياته إلى العالم بأسره ,يقول فيها : إن رسالتي لكم رسالة النور, تحمل في طياتها معاني الصفاء و النقاء و الطهر, رسالة تتوارثها الأجيال جيل بعد جيل, و إلى يوم الدين, رسالة الخلد و البقاء في جنات النعيم..

انه المقرب صاحب الفطرة السليمة ,واضح كعين الشمس في وسط النهار, في قلبه خط نوراني ممتد و لا ينتهي,  لقد احتفظ بتوازنه و أنواره, لم تختلط أنواره بظلمة الدنيا ,معدنه كريم ,و طينته طيبة, كان لا يحيا إلا بالله و لا يسعد إلا بجواره ” رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ” ..

هذا السعيد المقرب ,السابق بالخيرات ,جزاؤه من جنس عمله, لقد أسرعت البشرى إليه ” فروح و ريحان و جنة نعيم ” و الفاء تفيد السرعة و التعقيب, لقد ساق الله تعالى إليه نعيمه في لمح البصر و كأن لا زمن بين الدنيا و نعيمه في الآخرة , لقد تلاشى الزمن فلا زمن لماذا ؟ لأنه عاش كل دقيقة و كل نفس في طاعة ربه, فالله مالك الزمن بيده مقاليد كل شيء, و صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” للجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله و النار مثل ذلك ” و لذلك ركزت الآيات على مفهوم القرب ” و نحن أقرب إليه منكم ”

قال تعالى ” (فأما إن كان من المقربين. فروح و ريحان و جنة نعيم )

اخوتاه / لماذا ؟؟ لا زمن لأنه عاش نعيم الدنيا قبل نعيم الآخرة ,فانتقل من نعيم إلى نعيم, فالذي يعيش النعيم لا يشعر بالزمن, و الذي يتحول من نعيم لنعيم لا يشعر بالزمن ,لأن الزمن نفسه جزء من النعيم, ليس هناك فاصل بين زمن الدنيا و نعيم الآخرة, الفاصل لا يكاد يُدرك و لا يُشعر به ,و لذلك تنتهي الآيات ب ( فسبح باسم ربك العظيم ) أنها عظمة الله تعالى الخالق للإنسان, و الأحداث و للجنة, معاني عظيمة يخشع لها القلب, و يقشعر لها البدن ,و يسبح بذكرها اللسان لله الواحد المنان..

و المقصود بنعيم الدنيا, الحياة بالله و مع الله ,و لله يعيش على طاعة الله ,شاكرا لأنعمه معترفا بذنبه ,طالبا عفوه..

والمتأمل للآيات من عند قوله تعالى ” فلولا إذا بلغت الحلقوم ” و إلى نهاية الآيات تجد أن إيقاع الآيات سريع, نتائج متلاحقة و سريعة ,و كأن كل شخص يركض إلى واقعته ,و نهايته المحتومة, و في لمح البصر تنتهي الأحداث و تظهر النتائج و يتنعم, من يتنعم يعُذب من يعذب و ينتهي الأمر..

 

 

شاهد أيضاً

بناء النفس !! كيف يكون

بناء النفس !! كيف يكون بناء النفس بناء يصل إلى عنان السماء ، بناء لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *