الرئيسية / مقالات / ظلمة الليل واثرها على صحة الانسان

ظلمة الليل واثرها على صحة الانسان

وجعل الله جل جلاله النور للحركة و العمل و السعي , فمن ارتاح في الليل يصبح نشيطا للعمل ، ولا يعمل الإنسان إلا إذا أخذ طاقة جديدة و ارتاحت أعضاؤه , قال تعالى : { و من رحمته جعل لكم الليل و النهار } لماذا { لتسكنوا فيه و لتبتغوا من فضله } أي في النهار

قال تعالى : { وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم } الإسراء

أي أن السعي و طلب الرزق و البركة و الفضل لا يكون إلا في النهار إذا النهار آية مبصرة تجعلك ترى و تبصر ما يفيدك و لذلك قال تعالى : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } فصلت

فالكون عبارة عن آيات و النفس البشرية آية من آياته فالله عز وجل يشير بالمحسوس و المرئي من آيات الليل و النهار على النفس البشرية الغير مرئية و التي تحمل في طياتها معاني و أسرار و صفات الليل و النهار ، فالنفس فيها الظلمة و الحيرة و التردد و الشك و التيه وفيها معاني النور و السعة و الانشراح و الفرح و الحق ، فهي تحمل الخير و الشر ،

وهذا يذكرني بقول الحق تبارك و تعالى : { و الشمس و ضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جلاها (3) و الليل إذا يغشاها (4) و السماء و ما بناها (5) و الأرض و ما طحاها (6) و نفس و ما سواها (7) فألهمها فجورها و تقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) و قد خاب من دساها (10) } [ الشمس ]

فبعد ذكر الآيات الكونية المرئية المحسوسة تأتي آية النفس المتوارية في أجسادنا { و نفس و ما سواها } { و الليل إذا يغشى 0 و النهار إذا تجلى 0 و ما خلق الذكر و الأنثى } فالنفس البشرية فيها أسرار هذا الكون 0

إذا لليل مهمة و للنهار مهمة و إياك أن تخلط بين هذا و ذاك و إذا ما وجد عمل لا يُؤدى إلا بالليل كالحراسة و الرباط في سبيل الله أو أن يكون الإنسان طبيبا يمارس الطب أو غير ذلك نجد الله جل جلاله يفتح لنا بابا من أبواب الرحمة { و من آياته منامكم بالليل و النهار } الروم

فجعل النهار أيضا محلا للنوم ، فأعطانا فسحة و رخصة و لكن في أضيق نطاق ، فالقاعدة العامة أن الله جل جلاله جعل النهار للعمل و الحركة و السعي 0 فإذا خرج الإنسان عن هذه القاعدة و تمرد على هذا النطاق الإلهي ، فإن الحق يردعه بما يكبح جماحه و يحميه من إسرافه عل نفسه ، و هذا من لطفه و رحمته بخلقه ، و هذا الردع إما ردع ذاتي اختياري و إما ردع قهري ..

و الردع الذاتي يظهر حينما يسعى الإنسان في حركة الحياة ويعمل فيحتاج إلى طاقة ..

وهذه الطاقة تحتاج إلى دم متدفق يجري في أعضائه فإذا زادت الحركة عن طاقته ( التي لم يكتسبها ليلا و أهدرها ) تجده يلهث و تتلاحق أنفاسه لأقل مجهود تراه , تبدوعليه أمارات التعب و الإرهاق لأن الدم المتوارد إلى رئتيه لا يكفي هذه الحركة و هذا نلاحظه في صعوده للدرج حيث أن هذه الحركة ضد جاذبية الأرض فتحتاج إلى قوة أكبر كالذي يصعد الجبل ، هنا يحتاج إلى دم أكثر و تنفس فوق التنفس العادي ، فكأن الحق عز وجل جعل التعب و الميل إلى الراحة رادعا ذاتيا في الإنسان ، إذا ما تجاوز حد الطاقة التي جعلها الله جل جلاله فيه 0

أما الردع القهري هو النوم ، يلقيه الله جل جلاله على الإنسان إذا ما كابر وغالط نفسه وظن أنه قادر على مزيد من العمل و العطاء دون راحة ، فهنا يأتي دور الردع القسري فينام رغما عنه و كأن الطبيعة التي خلقها الله جل جلاله فيه تقول له ارحم نفسك ، لقد نفذت طاقتك ، ” فصل شحن ” فالحق تبارك و تعالى لا يُسلم الإنسان لاختياره ، فهو إن وكله لنفسه وكله إلى ضيعة و هلاك و أمراض و خسران ، بل يُلقي عليه النوم  و فقدان الوعي ليحميه من حماقته و إسرافه على نفسه ! لذلك ترى الإنسان إذا ما تعرض لمناسبة اضطرته لعدم النوم يومين مثلا ، لابد له بعد أن ينتهي من مهمته هذه أن ينام مثل هذه المدة التي سهرها تعويضا لجسده عما حُرم منه

فالله جل جلاله خلق الليل مُظلما فلا نُنيره , وخلق النهار مُبصرا فلا نُظلمه

فعمل النهار لا يتم إلا براحة الليل فهما متكاملان  , فالحركة بالنهار عبارة عن تفاعل مادي بين الإنسان ومادة الكون ، كالمزارع يتفاعل مع أرضه ، والعامل يتفاعل مع آلته ، والطالب مع كتابه , هذا التفاعل لا يتم إلا في ضوء ، لأن الظلمة تغطي الأشياء و تعميها ، فالليل ينام فيه الناس ، أما السعي و الحركة لابد لهما من ضوء ففي الظلمة قد تصطدم بما هو أقوى منك فيحطمك أو بما هو أضعف منك فتحطمه 0

إذا فمع تباشير الفجر كل يوم يتلمس المؤمن فضل ربه ، يتبين ” بورك لأمتي في بكورها ” له المادة التي يتفاعل معها0 لذلك جعل الله تعالى الظلمة سابقة للضياء

قال تعالى{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) } الأنعام

لأن النور محل العمل و الحركة و لا يمكن للإنسان أن يعمل إلا بعد راحة ، و الراحة لا تكون إلا في ظلمة الليل 0

و كذلك خلق آدم سابق لخلق حواء ، فهو أكبر منها خبرة و علما و حياة ، أشمل صبرا و حكمة هذه طبيعة خلقه ، جاء قبلها ليمهد لها مسكنها و خدرها ، فُرشها و متاعها 000 يعمل و يكد و يجهز بيت الزوجية و كأن يعمل في نهار قد يطول و قد يقصر ثم يأتيه ليل المرأة ليسكن إليها و يستشعر المودة و الرحمة معها ، و كأن لسان حاله [ أنظر إليها أشعر أن وراءها أسرار و كأنها جزء كان مقتطع مني يلتئم عندما تأتي إلي و أشعر أني اكتملت و بالتالي عندما تذهب عني أشعر و كأن جزء من الروح مفقود و أشعر بالوحشة و الوحدة كأنها جزء حقيقي يأتي إلي أو يؤخذ مني ، خُلقت مني من ضلعي ، و الضلع يتخلله روح فإنه حي ينبض بالحياء هي مني ، روح تتميز بالحياة و الحياء و الخفة و الانتباه و سرعة البديهة ، ما فيها ثقل الطين مثلي ، أنا الذي مكثت صلصالا أربعين يوما فكرها محدد بوجودي ، فهي لم تر غيري إنما أنا رأيت غيرها من الحور في الجنة ، لذلك هي أخلص مني ، أنا عشت بدونها فترة من الزمن قبلها ، لكنها و منذ بدء حياتها عاشت معي ، لقد حلمت بها و رأيتها في مشاهد الجنة الجميلة ، لقد تمنيتها في هيئات شتى ، لقد تجول بصري في أرجاء الجنة ، فكلما وقع بصري على جمال تمنيته فيها 00 نظرت إلى حواء نظرة ملكية خالصة لي وحدي فهي تطهرت من نظر غيري ، فما كانت إلا لشخصي 0

و خُلقت لي وحدي ، فأنا أغار عليها و أحفظ لها عهدي معها ن لقد وقعت عليه أمام ربي و شهدت على هذا العهد ملائكة ربي ، ]

قال تعالى : { و أخذنا منكم ميثاقا غليظا }

و خُلق الذكر ذكرا فلا يُؤنث

و خُلقت الأنثى أنثى فلا تُرجل

فآدم كان بالنسبة لحواء النهار بشمسه و حرارته و رياحه ووضوحه و حركته و حساباته و إعداداته 000 و كانت هي له كالليل الهامس الهادئ اللطيف بقمره و نجومه و كواكبه و كما أن الليل و النهار يأتي من خلالهما حساب السنين و الأعوام { و لتعلموا عدد السنين و الحساب } الإسراء    وقد يتوقف هذا القانون لحكمة ربى عزوجل  كما اوقف الشمس ليوشع عليه السلام واوقف الزمن لعزير عليه السلام وتامل حال اهل الكهف وغيرهم

فالسنين و الحساب من لوازم حركتنا في الحياة فكذلك علاقة الذكر و الأنثى

تأمل قوله تعالى عندما أراد موسى عليه السلام أن يتزوج إحدى ابنتي شعيب ذلكم الرجل الصالح ، تأمل ماذا قال لموسى عليه السلام و تأمل العلاقة بين موسى عليه السلام كرجل و بين الليل و النهار و الحساب و السنين ، تأمل دورة الحياة و دور موسى عليه السلام , قال تعالى :{ قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك و ما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين } القصص

” ثماني حجج و أتممت عشرا ” ثماني و عشرا ، ما هذا، حسابات ليل نهار يعمل فيها موسى عليه السلام ليتسنى له الزواج من ابنة حواء، هذه هي العلاقة بين الإنسان ” الذكر ” و آية الليل و النهار 00 لابد له من عمل من جهد من إعداد من تهيئة خاصة ، من دفع مهرها و صداقها و بذل الجهد من أجلها و تقديرها ومعرفة قيمتها و دفع ثمنها ، إنهن بنات حواء عليها السلام ، إنها حواء تشبه القمر في الليل ، و هو آدم يشبه الشمس في النهار,  و لكل منهما مهمة في حساب الأيام و الشهور و السنين ، فالشمس لا تعرف بها إلا اليوم الذي أنت فيه حيث يبدأ اليوم بشروقها و ينتهي بغروبها ، أما بالقمر نستطيع به  حساب الأيام و الشهور فاليوم يحدد بالشمس ، و الشهور تحدد بالقمر 0

قال تعالى : { هو الذي جعل الشمس ضياء و القمر نورا و قدره منازل لتعلموا عدد السنين و الحساب } يونس

إنها ابنة حواء قمر الزمان و ريحانة الأيام J

و كذلك الرجل تجد فكره محدد في موضوع واحد ، يخطط له ، يدرسه و يضع له برنامج و يعرف مساوئه و إيجابياته ، أرباحه و خسائره

إنما المرأة تجدها تتشعب في أكثر من موضوع ، تفكر في بيتها و زوجها و أولادها ، أهلها و أهل زوجها 00 و مشاكل جاراتها و تغيير أثاث بيتها ، و ماذا ستشتري من الأسواق ، و تدرس لأولادها ، تخطط لشهور قادمة بل لسنوات , على عكس الرجل ، يعيش يومه فقط 00

فالمرأة محركة و منشطة للرجل ، تدفعه للعمل و الأمل 0 تزيد من طاقته و طموحاته ،

تأمل موسى عليه السلام لما سقى لابنتي شعيب جلس يدعو ربه فجاءته العروس

قال تعالى : { فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك 00 }

وتأمل سلوك ابنة شعيب و طريقة تفكيرها و سرعة منطقها و حركتها

قال تعالى : { قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين }

و بالطبع قد شرحت لأبيها من قبل معنى القوي الأمين و استطردت , قصت عليه قصة موسى عليه السلام معها 00 تأمل حسن ادبها و أسلوبها و تشويقها لأبيها حتى أنه يستدعيه إليه و بسرعة ، فأسلوب المرأة ساحر و مقنع و جذاب ، إنها ابنة حواء ، قمر الزمان و ريحانة الأيام..

اخوتاه //

و حياة الخلق لا تقوم إلا بحساب الزمن 0

و حساب الزمن يحتاج إلى ضوابط 0

و هذه الضوابط لا تصلح لضبط الوقت إلا إذا كانت هي منضبطة في ذاتها 000 كيف تضبط الزمن و ساعتك تؤخر و تقدم ؟! لذلك قال تعالى : { الشمس و القمر بحسبان }الرحمن

و هذا من رحمته سبحانه ، لذلك تأمل ” منازل القمر ” القمر أدق نظام حسابي يعتمد عليه حتى الآن عند علماء الفلك و علماء البحار و غيرهم ، فتجده مرة هلالا

و مرة بدرا

و مرة كالعرجون القديم في إشرافه على المحاق آخر الشهر 00

إنه تقدير الله الخالق العظيم

و كذلك حياة الذكر و الأنثى آدم و حواء ، حياتهما قائمة على   الحسابات ، المرتبطة بالعبادات كالصلاة و الصيام و الحج 000 فالله جل جلاله جعل لنا الليل و النهار لنضبط عبادتنا 00 كذلك حياة الرجل و المرأة لابد لها من ضابط ، من نظام حكيم يقوم على شرع الله تعالى لا على تخبط و عشوائية البشر و قانون البشر الأعوج ، قال تعالى : { و السماء رفعها ووضع الميزان 0 ألا تطغوا في الميزان 0 و أقيموا الوزن بالقسط و لا تخسروا الميزان }

فالله تعالى خلق الكون بضوابط دقيقة و بحسابات فريدة ، هي في الحقيقة ضوابط لنا في حياتنا ، ضوابط لحسابات حياتنا 00 قال تعالى : { الشمس و القمر بحسبان } حسابات دقيقة بالغة الدقة

كتبه/ام هشام

شاهد أيضاً

بناء النفس !! كيف يكون

بناء النفس !! كيف يكون بناء النفس بناء يصل إلى عنان السماء ، بناء لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *