الرئيسية / مقالات / عبيد المال

عبيد المال

##  عبيد المال ##

أما في المقابل الذي يعتبر نفسه مالكا على مُلكه و ربما لمُلك غيره و لو بالقوة و الهيمنة و الطغيان فإن هذا لا يُعد عبدا لله تعالى بل هو عبدا لنفسه الأمارة بالسوء ، عبدا لهواه و لشيطانه ، يظل يجمع و يسيطر ويضع في البنوك و يسافر و يتجول و يتاجر و يعقد الصفقات ويزيد من رصيده ، ثم ماذا قد يخسر, قد يهلك , ويترك كل هذا المال ولا ينفعه عند ربه ., بل يُسأل عليه هذا الذي فتن بالمال ، صار عبدا له ,

كما جاء في صحيح البخاري : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة إن أعطى رضى وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش 000 ”

صار حارسا له حتى يسلمه لورثته سواء من حلال أم من حرام ، فماله لا يدفع عنه مرضا أو عجزا أو هِرما, يظن أنه بماله يعمل عمليات تجميل و شد لوجهه و زرع لشعره ، يدبس معدته و يصغر أنفه و يكبر فمه ، فكل ما يريده يخضع للمال هكذا ظنه أن الكِبر و العجز لغيره , أن الطلاق لبنات غيره و ليس لبناته ..

يظن صاحب المال و الثروة أن المرض لغيره و السواة  في سواه و فجأة الأمور ليست له ، و تدهور الأحوال لا يخصه

يظن أن ظُلمة الليل لا تعتريه و أن حرارة الشمس لا تحرقه و أن سطوة المال لا تعكر صفوه ، و أن الشر لا يمسه و أن السجن ليس لأمثاله , و أن الخراب ليس لبيته و أن الشقاء ليس لأولاده ، و أن السفر ليس قطعة من العذاب له ربما لأحد سواه ، و أن الفتن لا تصيبه و أنه فوق الناس و انه يعلو القانون الإلهي ،

يظن أن الموت لا يأتيه بل يصيب غيره حتى يصل به الحال إلى أن يقول كما قال سَلفه

 قال تعالى : { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي 000  (38( } القصص

قال تعالى :{ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) } النازعات 

و هكذا يعيش مثل هذا في دائرة مغلقة ، يعيش مغيبا عن أرض الواقع, يعيش منفصلا عن ربه عز وجل وعن نفسه وعن أرحامه و أقاربه ومجتمعه ، يعيش في عالم افتراضي من صنع شيطانه 00 يظل يحاصره حتى يتردى في أمه الهاوية 00

حتى و إن تردى في أردية الهلاك يقول لك : أنا خلدت اسمي بل و صورتي وجسمي ، فيصنع بماله تماثيل تتوسط الميادين على هيئته ، يدرج اسمه في كتب و مجلات ، بل يجعل قبره ساحة استقبال كبيرة ، مطعمة بالأحجار الكريمة و مزينة و مكيفة و تحيطها الأزهار و الزروع و الورود 00ظنا منه أن هذا سيخلده و سيخلد سيرته فلا يُنسى ، برامج و فيديوهات تُخلد ذكراه و هكذا 000 و كل هذا بالطبع عبارة عن بذل أموال يسال عنها وما كان له ان يضيعها سدى وهباءا

أعود و أقول ماله لا يدفع عنه مرضا أو عجزا أو هرما أو كارثة أو صدمة نفسية أو فتنة  , بل ربما يجمع عليه كل هذه الآفات ، و خاصة إذا جمعه و شَح به على  عباد الله المستحقين ، فتجدهم يحسدونه ، يمتلئون غيظا و حنقا عليه ، و ربما يدعون عليه ، و يتربصون له الدوائر ، يرقبون هلاكه ، ليشفوا صدورهم منه أضف إلى ذلك محاربة شياطين الجن له ، فتجده مسحورا أو ممسوسا أو محسودا أو مفتونا يقوده شيطانه حيث أراد ، يستهزئ به ويتلاعب به ، و يسخر منه و يهينه ، فتجده يتردى إلى الملاهي الليلية ، أو النوادي الشيطانية , تجده يتنقل ما بين كأس و غانية ، تجده سكيرا مخمورا ، و ربما تجده زانيا و قاتلا و من قبل مُرابي و مرتشيا, لقد تردى في جميع مستنقعات الدنيا ، كلما خرج من بئر وقع في حفرة , ثم إذا قام و قع في مستنقع آسن ، لدرجة أنك قد تجده ميتا فوق صندوق قمامة

هذا هو مكانه الطبيعي الذي يليق به و الأمثلة في هذا الصدد كثيرة ، لقد أهانه ماله فما له من مُكرم عقه أولاده لأنه عقهم ، قبل أن يعقوه ، لقد خرب بيته و ضاع أمنه و أمانه و بات مذعورا مرعوبا مبهوتا ، تفرق عنه الأصحاب لأنه أوشك على الإفلاس ، إفلاس روحي و معنوي و إفلاس أخلاقي و مادي و اجتماعي ، اجتمعت عليه الأوبئة و الأمراض ، أصبح مخيفا لنفسه صار وحيدا غريبا مستوحشا بعد أن كانت حوله الجموع تصفق له و تحييه و ترقب مجيئه و تحتفي به 00

أصبحت الحياة سوداء في نظره ، لقد أصبح ينكر نفسه بينه و بين نفسه مسافات و أميال !

بينه و بين الناس فراسخ و كيلومترات , صار عِبرة لغيره ينظرون إليه و يتساءلون أهو هو فلان الذي كان 000؟؟

كم كان 000 و كان 000 و كان

لقد أصبح في خبر كان أين شبابه ؟ أين صوته و كلامه ؟ أين ماله ؟ أين سطوته و هيبته ؟ أما يذكر أن الحرص على الملكية كان سببا في هبوط أبيه آدم من الجنة , عندما وسوس له الشيطان في قوله تعالى  { فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ (120( } طه

و ما علم آدم عليه السلام  أن المُلك الذي لا يبلى هو في طاعة الله سبحانه و سوى ذلك هو مُلك يزول و يفنى 0 لذلك كانت الدنيا الفانية هي مُلك إبليس و جنده ينصب عرشه على الماء ، و يظن أن عرشه سينفعه مع أنه يعلم أنه زائل

 قال تعالى { قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) 40) } الحجر

و ماذا بعد البعث يا إبليس ؟ إنها النار و الهلاك 00 و مع ذلك تراه حريصا هو ومن يتشبه به من أغبياء بني آدم ..

ثم نتساءل أين فلان ، لقد مات قبل أن يفارق الحياة ، فارقته الحياة قبل أن يفارقها ، فارقه ماله و هو حي ، أصبح ماله بلا فائدة بعد أن سقط في الأوبئة والأمراض والمتاعب النفسية ، بعد أن حُرم من الطعام و الشراب بعد أن فارقه أصحابه و أقاربه ، و صار سفيها تافها يتلاعب به الشيطان ! بعد ان سقطت جميع الاقنعة

هذا الذي لم يلتزم بشرع الله تعالى و حدود الله تعالى ، أصبح ماله سيده الذي يأمره و ينهاه ، يقاتل من أجله و من أجل جمعه و زيادته ، يبيع دينه من أجله ، يبيع وطنه و مجتمعه و كل ما يملك من أجل المال , قال تعالى { يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴿3﴾} الهمزة..

“وما يغنى عنه ماله اذا تردى” الليل

إنه ذرية فرعون و هامان و قارون و الوليد ابن المغيرة و تحولت هذه الحالة من حالات فردية ألى مجموعة مجتمعات كاملة بل و دول 00 إنها ذرية كل ظالم و طاغي

قال تعالى { ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۗ (34) }آل عمران

{ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) (118) } البقرة

تآلفت أرواحهم و اجتمعت قلوبهم على حب الدنيا ، أخذوا العهد و الميثاق على هذا مع الشيطان فمشاعرهم واحدة ، و هدفهم واحد، تواصوا على الباطل فأحبوه فهتفوا من أجله ، و رفعوا رايات  الهلاك , وأقسموا بالله زورا على أنهم امتلكوا و بأن لهم السيادة والقيادة والريادة ، و ترأس المسيرة إبليس و جنده ، و نسي القوم أن للكون إلها وسيدا قاهرا ومقتدرا ، نسوا الله تعالى فأنساهم أنفسهم ..

ظنوا أن زعامة العالم بالقوة و السيطرة و العنف والمال فالشرق يُمَول و الغرب يُمَول .

ونسي القوم أن المُلك لله تعالى والنصر من الله تعالى و التمكين من الله تعالى ، و أن ما عنده سبحانه لا يُنال إلا بطاعته لا بالخيانة و لا بالعمالة 000 لقد سقط القوم من عين الله تعالى ثم من عين مجموع عوام الناس ، القاعدة العريضة ” الشعوب ” لقد هُتكت أستارهم , و ظهرت سوأتهم و فُضحت مخططاتهم و من ورائهم و كُشف القناع و ظهر المستور …

**  ابن آدم  **

من يغنيك إذا افتقرت ؟

من يشفيك إذا مسك الشيطان بضر و مرضت ؟

من يرد عليك عافيتك و إن سافرت لأمهر الأطباء في أوربا ،

هل يغني عنك مالك ؟

من يُعلمك إذا جهلت ؟

من يحميك إذا فزعت ؟

من يحررك إذا أُسرت ؟

من يُذكرك إذا نسيت من يسقيك إذا ظمأت ؟

من يُطمئنك إذا خِفت ؟

من يعيد لك أنفاسك إذا حُبست ؟

من يعيد لك كلامك إذا خَرِست ؟

من يتولى حراستك إذا نمت ؟

من يَطيق حالك إذا جننت ؟

هل تظن أن مالك يُغني عنك كل هذا ؟

**  سؤال  **

هل عندك علاجا ناجحا للموت ؟

قال تعالى : { فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (87( } الواقعة

كلا بل إنه الله تعالى الذي أنت عنه مستغن

إنه الله تعالى الذي تفر منه

إنه الله تعالى الذي تحاربه و تصد عن سبيله

إنه الله تعالى الذي لا حول لك و لا قوة إلا به

إنه الله تعالى الرازق الوهاب الغني الحميد

ليس لك غنى عنه ، طرفة عين فلا حياة لك إلا به سبحانه , ولا مال لك إلا من خزائنه ,

ولا نجاة لك إلا برحمته

 قال تعالى{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15(} فاطر

فأنت مجرد شيء في مُلكه ، لا قيمة لك و لا ثمن لا قيمة البته إلا به سبحانه 000

فالأمر له و المُلك له والخلق خلقه و الحُكم حُكمه و ليس لك من الأمر شيء و هدايتك بيده لا بمالك و لا بيد غيره 000 فقلبك بين أُصبعين من أصابع الرحمن سبحانه 00 عن عائشة قالت : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ” إنّ قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرّحمن فإذا أراد أن يقلب قلب عبدٍ قلبه ”

عن أبي هريرة رضي الله عنهما قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ” إنّما قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرّحمن “ 

عن عائشة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول : يا مثبّت القلوب ثبّت قلبي على دينك , قلت يا رسول اللّه إنّك تكثر أن تدعو بهذا الدّعاء فهل تخاف قال : ” نعم وما يؤمنّي أي عائشة وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرّحمن ”

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

بناء النفس !! كيف يكون

بناء النفس !! كيف يكون بناء النفس بناء يصل إلى عنان السماء ، بناء لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *