عتاب

نحن نعلم جيدا أن طلوع الشمس من مغربها آية و علامة من علامات الساعة الكبرى و كأن بعض الناس يستعجلون نهايتها فيجعلون الليل نهارا و النهار ليل ، تراهم ينامون ربما للعصر و يسهرون إلى قبيل الفجر ثم ينامون و هكذا !

بدلوا السُنن و كأن لسان حالهم يقول ” أشرقي يا شمس على راحتك سنغلق النوافذ  نسدل الستائر و نشغل التكييف و ننام ، نحن لا نحتاج إلى حرارتك و لا إلى فيتامين ” د” الذي عندك رغم أننا نشكو هشاشة عظامنا و خشونة رُكبنا !

وعند انتصاف النهار نهرول و نتسابق إلى إلى الأعمال و إلى الأسواق لنملأ بطوننا و نجري في الطرقات نتخبط و يصارع بعضنا بعضا ، فيكون الإفطار قرب العصر و الغذاء بعد المغرب أو العشاء و العشاء قبيل الفجر حتى ينام قرير العين و لا تسأل عن الصلاة !

هذا هو برنامج أهل الغفلة ! ثم ما كان منهم إلا أنهم جعلوا الليل و النهار مطحنة و معجنة تطحن فيها العقول و الأبدان و تعجن فيها الأرواح . وتنطلق منها سهام الغدر و الخيانة ، ورماح الموت و أعيرة الفناء و الهلاك !

ثم نحن في الليل نتزاحم على العيادات الطبية و نبلع الأدوية ! و نتزاحم على العيادات النفسية من كثرة الاكتئاب و الهموم لأننا ضيعنا سُنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في النوم بعد العشاء ، فما عاد هرمون السعادة ” الميلاونين ” يعرف لنا طريق !

فنحن حولنا الليل نهار والنهار ليل ، فما عاد ينفعنا النوم فزادت العصبية و الحدة و القسوة و قطع الأرحام و قل الرفق و زاد الظلم ، و هذا من ظلم العبد لنفسه و للآخرين لذلك تأخرت الأمة و أصبحت في ذيل الأمم ، لأنها ضيعت نعمة البكور فحرمت نفسها من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها : ” اللهم بارك لأمتي في بكورها ”

قال : و كان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار [ حسن / سنن لترمذي ]

و حرمت الأمة نفسها لقاء ملائكة الليل و النهار         

و نحن لا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ليلة حتى الصبح إلا في قيامه في اعتكافه في العشر الأواخر من رمضان فقط ، فكان صلى الله عليه وسلم يصلي و يرقد هذه سنته صلى الله عليه وسلم ، فمن رغب عن سنته فليس منه ..

و بناء على ما تقدم فان الشمس ترسل رسالتها ” طالما أنكم مستغنون عني فاني أودعكم و لكن أشكو بثي و حزني إلى الله و سأطلع عليكم من المغرب ، و عندها سيطول ليلكم و يشتد ظلامكم و ظلمكم 00 فكيف تعملون ؟!

و بالطبع هذه سنن كونية لا مرد لها من الله جل جلاله ، لا تعجل بعجلة و بجهل الناس و لا تتأخر عما قدر لها جزء من الثانية و إنما أقصد أن أبين لحضراتكم بعض عادات الناس و تقاليدهم و تعاملهم مع هذا الكون العظيم 00

و لا أملك إلا أن أقول قول الحق تعالى : { ما لكم لا ترجون لله وقارا }

و قبل أن أختم معكم بليل الجنة أود أن أطلعكم على بعض أنواع الظلمات يوم القيامة عافانا و عافاكم الله تعالى من الظلمات

مرور المؤمنين على الصّراط وخلاص المؤمنين من المنافقين //

انظروا معي  / من هذه الكوة

عندما يذهب بالكفرة الملحدين، والمشركين الضالين إلى دار البوار: جهنم يصلونها، وبئس القرار، يبقى في عرصات القيامة أتباع الرسل الموحدون، وفيهم أهل الذنوب والمعاصي، وفيهم أهل النفاق، وتلقى عليهم الظلمة قبل الجسر كما في الحديث الذي يرويه مسلم في (صحيحه) عن عائشة قالت: ((سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر))  (1)

. يقول شارح (الطحاوية): وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم.

روى البيهقي بسنده عن مسروق، عن عبدالله، قال: يجمع الله الناس يوم القيامة إلى أن قال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره في إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا أطفأ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف دحض مزلة، ويقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملاً على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد، وتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا، قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك، بعد أن أراناك، لقد أعطانا ما لم يعط أحد  (2) . وقد حدثنا تبارك وتعالى عن مشهد مرور المؤمنين على الصراط، فقال: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد: 12-15]. فالحق يخبر أن المؤمنين والمؤمنات الذين استناروا بهذا الدين العظيم في الدنيا، وعاشوا في ضوئه، يعطون في يوم القيامة نوراً يكشف لهم الطريق الموصلة إلى جنات النعيم، ويجنبهم العثرات والمزالق في طريق دحض مزلة، وهناك يبشرون بجنات النعيم، ويحرم المنافقون الذين كانوا يزعمون في الدنيا أنهم مع المؤمنين، وأنهم منهم، لكنهم في الحقيقة مفارقون لهم لا يهتدون بهداهم، ولا يسلكون سبيلهم من النور، كما حرموا أنفسهم في الدنيا من نور القرآن العظيم، فيطلب المنافقون من أهل الإيمان أن ينتظروهم ليستضيئوا بنورهم، وهناك يخدعون، كما كانوا يخدعون المؤمنين في الدنيا، ويقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، وبذلك يعود المنافقون إلى الوراء، ويتقدم المؤمنون إلى الأمام، فإذا تمايز الفريقان، ضرب الله بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويكون مصير المؤمنين والمؤمنات الجنة، ومصير المنافقين والمنافقات النار. وقد أخبر الحق أن دعاء المؤمنين عندما يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم هو رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا[التحريم:8]، قال تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم: 8]. قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم: هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طُفئ.  (15)
ويتفاوت الناس في المرور على الصراط تفاوتاً عظيماً وذلك لأن المرور عليه إنما يكون بقدر الأعمال الصالحة التي قدمها المرء المسلم لربه في الحياة الدنيا، ويمكن أن نلخص كيفية المرور بما يلي:
1- يعطي الله كل إنسان نوراً على قدر عمله يتبعه على الصراط:
كما في حديث جابر عند مسلم  (3) عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نوراً. ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله)).
وكما في حديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فيعطون نورهم على قدر أعمالهم وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطي نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة, ويطفأ مرة إذا أضاء قدم قدمه, وإذا أطفئ قام))  (4)
2- انطفاء نور المنافقين: في هذا الموقف الرهيب حيث تجد أن الذعر والخوف قد استحوذ على الناس، كلهم يريد النجاة بحشاشة نفسه من الكلاليب, والخطاطيف, فإذا نور المنافقين يطفأ كما في حديث جابر عند مسلم  (5) ((ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نوراً. ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله, ثم يطفأ نور المنافقين. ثم ينجو المؤمنون)).
3- اختلاف سرعة الناس في المرور على الصراط: تختلف سرعة الناس في المرور على الصراط وذلك باختلاف قوة النور الذي يعطى لهم على قدر أعمالهم كما بينا في الفقرة السابقة، ويدل عليه حديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويمرون على الصراط والصراط كحد السيف، دحض مزلة, فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح, ومنهم من يمر كالطرف, ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملاً, فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تخرُّ يد، وتعلق يد, وتخر رجل، وتعلق رجل, وتصيب جوانبه النار، فيخلصون, فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد))  (6) .
قلت: وفي رواية أخرى عن ابن مسعود تبين أن الناس يردون النار كلهم ثم يخرجون منها بأعمالهم مع اختلاف في سرعتهم, كما قال السدي: ((سألت مرة الهمداني عن قول الله عز وجل: وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا [ مريم: 71].
فحدثني أن عبد الله بن مسعود حدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يرد الناس كلهم النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فأولهم كلمع البرق, ثم كمر الريح, ثم كحضر الفرس, ثم كالراكب, ثم كشد الرجال، ثم كمشيهم))  (7) .
وكذلك في رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بعد أن وصف النبي صلى الله عليه وسلم صفة الصراط, وذكر الشوكة العقيفاء، قال: ((المؤمن عليها كالطرف, وكالبرق, وكالريح, وكأجاويد الخيل, والركاب))  (8) .
شرح الألفاظ: قال العيني: (كالطرف): بكسر الطاء وهو الكريم من الخيل وبالفتح البصر)).
قلت: المعنى الثاني هو المراد بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعد ذلك البرق, والريح, ومرور الخيل على الترتيب في السرعة.
أجاويد الخيل: جمع الأجود وهو جمع الجواد وهو فرس بيَّنٌ الجودة.
(الركاب: الإبل واحدتها الراحلة من غير لفظها). (عمدة القاري)(20/320).
قلت: وهناك من يزحف على الصراط زحفاً كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم. حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً))  (9).
أما آخر الناس مروراً على الصراط فهو المسحوب كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((حتى يمر آخرهم يسحب سحباً))  (10) .
أثر ابن مسعود: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (يأمر الله تبارك وتعالى بالصراط فيضرب على جهنم قال: فيمر الناس زمراً على قدر أعمالهم، أوائلهم كلمح البرق (الخاطف), ثم كمر الريح، ثم كمر الطائر، ثم كأسرع البهائم, ثم كذلك ثم يمر الرجل سعياً، ثم يمر الرجل ماشياً، ثم يكون آخرهم رجلاً يتلبط على بطنه يقول: يا رب لم أبطأت بي؟ فيقول: إنما أبطأ بك عملك!) (11) . قلت: هذا الأثر له حكم الرفع لأنه مما لا يقال بالرأي فهو من الأمور الغيبية.
الأمانة والرحم على الصراط: يدل على ذلك حديث أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر ذهاب الناس إلى آدم, ثم إبراهيم, ثم موسى, ثم عيسى, ثم محمد، قال صلى الله عليه وسلم: ((وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً))  (12)
قلت: وذلك يدل على عظم شأنهما والظاهر والراجح أنهما تقومان كشيئين، ولا يعلم حقيقتهما إلا الله عز وجل.
قال الحافظ  (13) : (والمعنى أن الأمانة والرحم لعظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما يوقفان هناك للأمين والخائن, والمواصل والقاطع, فيحاجان عن المحق, ويشهدان على المبطل). اهـ.
قال الطيبي  (14) : (ويمكن أن يكون المراد بالأمانة ما في قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ [ الأحزاب: 72]. (2) وصلة الرحم ما في قوله تعالى: وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [ النساء: 1]. فيدخل فيه معنى التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فكأنهما اكتنفتا جنبتي الإسلام الذي هو الصراط المستقيم وفطرتي الإيمان والدين القويم). اهـ.

قال تعالى : { يا أيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم و يدخلكم جنات تجري منتحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي و الذين ءامنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم و بأيمانهم يقولون ربنا اتمم لنا نورنا و اغفر لنا انك على كل شيء قدير }[ التحريم / 8 ]

و تتفاوت الأنوار على الصراط ( رقم (4) عبد الله بن مسعود / 415 )

اخوتاه

ومن ليل الدنيا الى ليل الجنة

و من الدنيا ، مرورا على الصراط وصولا للجنة بإذن الله تعالى [ فيها مالا عين رأت و لا أذن سمعت ] و سنعرف عندما ندخل الجنة بفضل الله و برحمته !

والزمان في عالم الغيب يختلف عن الزمان في عالم الشهادة , قال تعالى : { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج } ق

قال تعالى : { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } الصافات

و سمى الله تعالى في القرءان سورة باسم ” النجم ” و سورة ” القمر” ثم بعدها سورة “الرحمن”

و إذا ذكراسم الرحمن عز وجل تذكرنا { الرحمن على العرش استوي } فإذا كانت السماء الدنيا مزينة بالشمس و السحاب نهارا و بالكواكب و النجوم و القمر ليلا فهل يظن إنسان إن العرش غير مزين و هو سماء و سقف الجنة

وهو الذي خلقه الله تعالى بيده و هو سابق على التقدير

وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: سمعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم  يقول ((كتبَ اللهُ مَقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلُقَ السَّمواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سنة …7))

ودلت الأحاديث المشهورة على ما دل عليه القرءان من بقاء العرش ، فإذا كان الليل بنجومه و كواكبه و قمره يأفل و كذلك النهار بشمسه فإن العرش لا يأفل و لا يفنى

فالعرش أثقل المخلوقات و أعظم المخلوقات خلقا و سعة ليتناسب مع الشرف العظيم وهو استواء الله جل جلاله عليه ، والعرش لا يطوى مع السماوات والأرض ، فهو لا يفنى و لا يعدم و هو عرش مجيد و كريم و عظيم 0 و به قناديل معلقة به ، و مرصع و مزين بأحجار كريمة لا مثيل لها لا تشبه أحجار الدنيا إلا في الأسماء قال تعالى { و أتوا به متشابها } فإذا كان في الدنيا أحجار كريمة غالية الثمن و نفيسة في معدنها و جوهرها و ألوانها و لمعانها و بريقها و تتفاوت من بلد لبلد و من معدن لآخر 00 و تتفاوت الأسعار لكل جوهرة و ماسة ، فهناك اليشمك و السفير و ذهب وفضة و كهرمان و اللازورد و عقيق أحمر و كوباز و فيروز و زبرجد جارنيت ، زمرد ، مرجان ، لؤلؤ ، كوارتز ، أوبال ، ياقوت أحمر و أصفر ، ماس ، إلى غير ذلك من الأحجار الثمينة فما بالكم بأحجار و جواهر و لآلئ العرش و قد شاهدنا واحدا منها و هو الحجر الأسود الذي نزل من العرش و كان لونه أبيض حمله جبريل عليه السلام إلى إبراهيم عليه السلام

و الحجر الأسود و المقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله جل جلاله نورهما و لولا أن طمس نورهما لأضاء ما بين المشرق و المغرب

و لا يُحمى بالنار , و يطفو فوق الماء

و هو أشرف حجر على وجه الأرض و لذلك يشرع تقبيله.

فإذا كان هذا حال حجر واحد من أحجار الجنة  , فما بالكم بسعة العرش وحجمه وعظمته وهو مزركش ومزخرف ومزين ومرصع بجملة من الجواهر و الأحجار الكريمة ، الله أعلم بالمساحة و كمية الأضواء و الأنوار وتغايرها وانعكاس بريقها , وتداخل ألوانها وأضواءها المشعة و التي ترسم لوحات فنية متغايرة في قمة الجمال ، و ربما كان في هذه الجواهر مواد تضخ مسكا و عنبرا وأطايب العطور ، زخات من العطور تُبخ في أرجاء الجنات ، ثم أن هناك ألوان للأنوار ليس لنا علم بها في الدنيا ، فالألوان عندنا محدودة سيمفونية من الألوان و الأنوار و العطور ترسم من سقف الجنة عرش الرحمن ،

و هذا تصوره ليس بعيدا عن سماء الدنيا , ففي أوقات كثيرة إذا نظرت إلى سماء الدنيا وجدت مجموعة من السحب غاية في الجمال تتلون و تتشكل و تتغير,  وترسم بأدق الرسومات و العبارات ، لوحات فنية سماوية في غاية الجمال و الرقة ، إنه الرق المنشور في صفحة السماء ألوان للسحاب متداخلة و تدرج هائل في الألوان ما بين فاتح وغامق و أحيانا يتوسط كبد السماء

( قوس قزح)  كما يسمونه  وهذه تسمية غير شرعية..

و القوس يظهر عند سقوط المطر و الشمس مشرقة فتظهر فيه ألوان الطيف نتيجة لانكسار و تحلل ضوء الشمس خلال قطرات المطر 0 لاحرج إن قيل اسمه بلا اعتقاد والأوْلى ترك التسمية و لا يستبعد أن يكون أعظم من هذا في الجنة ، مجموعة ألوان رائعة متداخلة

00 و تتدلى القناديل المعلقة بالوشى بألوانها الزاهية و ترفع الأحجبة و الستر و تفتح أبواب الجنات ليعلن زمان النهار إن جاز هذا التعبير و إذا ما أرادوا السكون التام و بعض الراحة للاسترخاء و مزيد من المتعة و التأمل أرخيت الستر ، و الأحجبة و أغلقت الأبواب ، و اجتمع كل حبيب بحبيبه و الليل لا يعني الأنوار و الأضواء و الجمال فقط و الاسترخاء إنما عني اجتماع الأحبة و الزيارات المتبادلة وأحيانا السفر إلى جنات أخرى 00

و يعني السمر و الضحك و اللهو البريء الجميل ، و تبادل الحكايات ، و القصص و نوادر الحديث عن الجنات و الأمسيات و تقابل الأزواج المحبة ، و إظهار الجمال و الملابس و التيجان تتزين المرأة في الجنة ” ملكة الجنة ” سيدة القصر بلباس سهرات لزوجها و ترتدي كل جميل و مطرز و مزخرف 00 و على رأسها التيجان و التي تشع نورا و جمالا ،

في معصمها الذهب ملابسها مصنوعة من ذهب و فضة ، جمال ما بعده جمال حتى أنها إذا ضحكت في وجه زوجها أنارت الجنة أي أضيف نورا جديدا إلى نور الجنة كالبرق هنا 00وأهل الجنة يعرفون من هذا النور أن زوجة ضحكت في وجه زوجها فالجنة ليل نهار مليئة بالأنوار ، أنوار هادئة جميلة مريحة للأعصاب تتداخل و تتوزع و تتزاحم في رقة و لطف من الملك اللطيف الطيب ،

و تصور عدد الملائكة الذين يطوفون حول العرش هم من نور و كلامهم نور 00 و تصور أركان العرش و قوائمه و سعته و حسنه و رونقه و قمته, والعرش ليس فلكا كما أخبر ابن كثير رحمه الله ، و العرش يتحرك و يهتز طربا لمن يطيع الله تعالى فهو مربوب ،

فإذا كان ينسجم مع المطيع من أهل الدنيا فكيف انفعاله بأهل الجنة ؟! أليس اهتز العرش لموت سعد ابن معاذ رضي الله عنه ؟!

و قال شيخ الاسلام أن العرش ” مقبب ” لما روي في السنن لأبي داود عن جبير ابن مطعم قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال : يا رسول الله جهدت الأنفس و جاع العيال 000 إن الله على عرشه و إن عرشه على سماواته و أرضه هكذا , وقال بأصابعه مثل القبة و في علوه 000

و قال صلى الله عليه وسلم : ” إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس , فانه وسط الجنة و أعلاها و فوقه عرش الرحمن , ومنه تفجر أنهار الجنة ”

و لنتصور من هذا أن الجنات مستديرة و يمكنها الدوران حول العرش كالأرض تدور و كالقمر و كالشمس 00 كل له دورانه و تتقارب الجنات و تتباعد ” فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة و أعلاها و فوقه عرش الرحمن ” فكل عبد له جناته و كل جنة حسب عمله الذي كان يعمل في الدنيا ، تتقارب أو تتباعد فليست كل الجنات على مقربة واحدة من العرش ، فكلما اقتربت الجنة من العرش زاد نورها و طيبها و جمالها و زينتها و بهاؤها 000 و كذلك سكانها 000 لذلك دعت آسيا بنت مزاحم ” رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ”

صحيح أنها تريد مجاورة رب العالمين أولا و هذا نشعر به هنا  , فليس الذي يجلس أمام التلفاز و يرى الكعبة كمن بجوارها , حقيقة فليس الخبر كالمعاينة , وليس البُعد كالقُرب ، تأمل نفسك و أنت في بيت الله  , تأمل نفسيتك و شعورك و طموحك ، و سعادتك و قربك

ولا ينفي ذلك زيادة جمال هذا البيت ، فكلما اقتربت من صاحب البيت “عندك ” و من جماله و جلاله و عظمته و كبريائه زاد جمالك و زاد نعيمك و سعادتك 00 و هذه معاني مادية محسوسة و معنوية رفيعة الشأن لا يتصورها إلا أصحاب الفكر العالي ، الذين اصطفاهم رب العالمين 0

و ثمة شيء آخر تصور دوران الجنات بنعيمها حول العرش و كأن الجنات في طواف دائم حول العرش مركز الذكر و سقف العالم العلوي و كذلك أهل الجنة في طواف دائم و هم لا يشعرون كدوران الأرض هنا و كطواف أهلها و دورانهم معها و هم لا يشعرون مع الفارق ” إنهم يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس ” انها الجنة نهار النفس المؤمنة ..

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

الطاقه الايجابيه

ـ  تعمل الطاقة الإيجابية و هي الخير في تحصين الإنسان من الانزلاق في الشهوات و …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *