الرئيسية / مقالات / قال الله تعالى ، ( كل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الاكرام )

قال الله تعالى ، ( كل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الاكرام )

*** استعلاء المؤمن ***

إذا كان غير المؤمن يستعلي بحياته الدنيوية حيث جميع أنواع الرفاهية و التقنية الحديثة الحياتية فان المؤمن يستعلي على الدنيا بطاعته لله تعالى ، ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا و يسخرون من الذين ءامنوا و الذين اتقوا فوقهم يوم القيامة و الله يرزق من يشاء بغير حساب )

وفي قوله تعالى : ( كل من عليها فان ) ، رحمة حيث تحول الخطاب الإلهي من الحديث عن البحر إلى الفناء و الموت حيث وقع الإنسان في حب  المغالاة ، و لم يمشي سويا على الصراط المستقيم ، فمن رحمته إذا انهاء أمر الإنسان حتى لا تثقله الذنوب ، و قد أصبح مراوغ و محتال و يتباهى بملك غيره ، غير شاكر لله تعالى , والله تعالى الرحمن برحمته العامة يرحم العصاة و المذنبين و يدع أهل الكفر و المشركين و يمهلهم رويدا حتى يراجعوا أنفسهم و تقام الحجة عليهم ، و مثل الكافر و المشرك في عطائه مثلا ا لرجل البخيل الشحيح فرغم أنه يملأ حقائب دنياه بكل ما لذ و طاب من خزائن البحار و المحيطات ، لكنه لا يعطي إلا النادر القليل و بمقابل ، عطاؤه عطاء المنفعة و المصلحة ، ليس عطاء المحبة و المودة ، لذلك جاءته الآية تقرع أسماعه و آذانه ” كل من عليها فان ” فالذي يعمل لغير الله جل جلاله يسلك مسلك الكافر و المشرك ، فهو يدور مع مصلحته حيث دارت و تأمل على سبيل المثال ، عطاء بلد مثل أمريكا ، فهي تعطي مبلغا من المال ، مقابل أن المسلم يتخلى تدريجيا عن أصول دينه و أركان مبادئه و قيمه و أعرافه وثوابته  و لكن هذا الأمر مغلف بالدبلوماسية و الغطرسة و الدهاء و المكر 00 و التحايل و التجمل  و فرق بين من يعمل لله تعالى و بين من يعمل لنفسه أو لمصلحته الشخصية تأمل مؤمن ” يس ” و عطاؤهـــ

قال تعالى : ( و جاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا من لا يسئلكم أجرا و هم مهتدون (21) و مالي لاأعبد الذي فطرني و إليه ترجعون (22)

و نقول رحمكم الله تعالى إن الدنيا تنقضي على أهلها و تأتي الحياة الآخرة بخلودها لأهلها و تبقى الأعمال قلائد في رقاب أهلها 00 و فناء الدنيا لا يغير من سلطان الله جل جلاله شيء ، فلما كانت السماوات و الأرض قد أظهرت من قدرته و سلطانه أخبر الله تعالى أن فناءها لا يغير ما علم من سلطانه و ظهر إلى البصائر من جلاله فقد كان ذلك الجلال قبل أن يخلقها و هو باق بعد فنائها كما كان في القدم ” الأول ” فهو ذو الجلال و الاكرام 00 سبحانه تجلل بالبهاء ، و أكرم من شاء بالنظر إلى وجهه 00 عز وجل

و بقاء المخلوقات في الآخرة لا بذاتهم و لكن بابقاء الله عز وجل لهم عطاء من الله جل جلاله لاكرام أهل طاعته و انفاذ عدله في أهل معصيته !و من عرف الله جل جلاله بأسمائه الحسنى و صفاته العلى علم أنه موصوف بالكمال و الاحسان و الجمال و الجلال ، و عرف أيضا نفسه بكل نقص و عيب إلا أن يرزقه الله عز وجل كمال الإيمان و صالح الأعمال فيورث له ذلك عبودية صادقة بالانكسار بين يديه سبحانه 0

و فائدة تخصيص الوجه دون سائر الصفات أن ما عداه يعرف بالعقل ، و الوجه لا يعلم بالعقل ، وانما يعرف بالنقل و الأخبار 00 و في بقائه عن كل تلف

أين أهل الديار من قوم نوح                      ثم عاد من بعدهم و ثمود

بينما هم على الأسرة و الأنماط                 أفضت إلى التراب الخــدود

وآخرين من بعدهم لحقوهم ضل                عنهم سعوطهم و الـــــدود

و صحيح أضحى يعود مريضا                 و هو أدنى للموت ممن يعود

قال تعالى : ( كل شيء هالك إلا وجهه )

قال تعالى : ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى )

قال تعالى : ( إنما نطعمكم لوجه الله )

قال تعالى : ( فأينما تولوا فثم وجه الله )

عن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ” إن أهل الجنة إذا بلغ النعيم منهم كل مبلغ و ظنوا أن لا نعيم أفضل منه ، تجلى لهم الرب فنظروا إلى وجه الرحمن فنسوا كل نعيم عاينوه حين نظروا إلى وجه الرحمن ”

عن حذيفة رضي الله عنه ” إن العبد إذا قام يصلي أقبل الله عليه بوجهه ” و إذا أقبل الله جل جلاله على العبد فانه يدور في فلك السعادة لا يخرج منه أبدا،

،، رقائق ،،   

أين نعيم الدنيا المنغص بالموت و الأمراض و الفراق و البلايا و المحن و الفتن ، بنعيم الآخرة ، إن نعيم الدنيا منغص لا يدوم و لا يبقى و كثيرا ما ينغص بالأمراض و الأسقام و ربما انقطع و تبدل صاحبه بالفقر و الذل بعد الغنى و العز و إن سلم من ذلك كله فانه ينغصه الموت فإذا جاء الموت فكأن من تنعم بالدنيا ما ذاق شيئا من لذاتها خاصة إذا انتقل بعد الموت إلى عذاب الآخرة قال تعالى : ( أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون )

تأمل هارون الرشيد و قد بنى قصرا فلما فرغ منه استدعى فيه بطعام و شراب و ملاهي و استدعى أبا العتاهية فقال له : صف لي ما نحن فيه من العيش فقال :

عش ما بدا لك سالما                    في ظل شاهقة القـــصور

يسعى عليك بما اشتهيت               لدى الرواح و في البــكور

فإذا النفوس تقعقعت                    في ضيق حشرجة الصدور

فهناك تعلم موقنا                        ما كنت إلا فــي غـــــرور

فبكى هارون الرشيد ، فقال له الوزير : دعاك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته فقال الرشيد : دعه فانه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى،

و ها هو أحد المترفين نظر عند موته إلى بيته فاستحسنه ثم قال :

إن عيشا يكون آخره الموت                    لعيش معجل التنغيص

إنما الدنيا و إن سرت                           قليل من قليل

إنما العيش جوار الله في                       ظل ظليل

حين لا تسمع ما يؤذيك                        من قال وقيل

و لذلك سئل بعضهم : من أنعم الناس ؟ فقال : أجسام في التراب أمنت العذاب ، و انتظرت الثواب

و رئي معروف في المنام بعد موته و هو ينشد

موت التقى حياة لا نفاد لها          قد مات قوم و هم في الناس أحياء

و كان ابراهيم بن أدهم ينشد

ما أحد أنعم من مفرد                 في قبره أعماله تؤنسه

منعم الجسم و في روضة            زينها الله فهي مجلسه

أين لذات الدنيا من نعيم الآخرة ؟

رئي أحد الصالحين في المنام بعد موته فقال : نحن بحمد الله في برزخ محمود ، نفترش فيه الريحان و نتوسد فيه السندس و الاستبرق إلى يوم النشور” كل من عليها فان “ و يبقى كرم ربك لعباده الصالحين يبقى عطاؤه ببقاء وجهه ذو الجلال و الاكرام 0

رئي أحد الموتى في المنام فسئل عن حال الفضيل بن عياض فقال : كسي حلة لا تقوم لها الدنيا بحواشيها!

قال يزيد الرقاشي : أمن أهل الجنة الموت فطاب لهم العيش و أمنوا من الأسقام فهنأ لهم في جوار ذو الجلال و الاكرام طول المقام0

أين الجوار المنشآت في البحر كالأعلام ؟ و هي بالتأكيد فانية و زائلة بزوال الدنيا ، أو أن العبد يزول عنها ،

أين هي من قوله تعالى : ( إن المتقين ي جنات و نهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر )

فأدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه و سرره و قصوره مسيرة ألفي عام يرى أقصاه كما يرى أدناه و أعلاهم من ينظر إلى وجه ربه بكرة و عشية0

بل أزيدكم فرحا و سرورا بأن المؤمن له باب في الجنة من داره إلى دار السلام يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن ! هكذا قالت طائفة من السلف

ماذا لو علمتم علم أبو سليمان الداراني رضي الله عنه عندما قال : و إذا أتاه رسول من رب العزة بالتحية و اللطف فلا يصل إليه حتى يستأذن عليه يقول للحاجب استأذن لي على ولي الله فاني لست أصل إليه فيعلم ذلك الحاجب حاجبا آخر حتى يصل إليه فذلك قوله تعالى : ( وإذا رأيت ثم رأيت نعيما و ملكا كبيرا )

فلله ذاك العيش بين خيامها                     و روضاتها و الثغر في الروض يبتسم

و لله كم من خيرة إن تبسمت                   أضاء لها نور من الفجر أعظم

و لله واديها الذي هو موعد                     المزيد لوفد الحب لو كنت منهم

و لله أفراح المحبين عندما                      يخاطبهم مولاهم و يسلم

و لله أبصار ترى الله جهرة                     فلا الغيم تغشاها و لا هي تسأم 

فيا نظرة أهدت إلى القلب نظرة               أمن بعدها يسلو المحب المتيم

و أقدم و لا تقنع بعيش منغص                فما فاز بالذات من ليس يقدم ،

فصم يومك الأدنى لعلك في غد              تفوز بعيد الفطر و الناس صوم

فيا بائعا هذا ببخس مؤجل                     كأنك لا تدري بلى سوف تعلم

كتبه/ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *