الرئيسية / مقالات / ” كل يوم هو في شأن”

” كل يوم هو في شأن”

أحبتي في الله //

عالم عظيم و كائنات كثيرة تعيش حولنا كلها تنطق بحمد الرحمن ، الله الملك ، هذا العالم من الذرة إلى المجرة يشهد لله الرحمن الذي خلق لكل كائن أجوائه الخاصة به ، و كل وقت له حاله و صفاته ، و كل كائن له وسائل دفاعه و حمايته و سلاحه ، فالكائن يتناغم مع فصول السنة حرا و بردا ، شأنه شأن الإنسان ، حياته في الليل غير حياته في النهار ، فكل هزة من ورقة شجر هي في الحقيقة دعاء ، هي ركوع و سجود و تسبيح ( وان من شيء إلا يسبح بحمده و لكن لا تفقهون تسبيحه ) الآية

كل قطرة ماء ، كل صيحة ديك ، كل ذرة رمال ، كل سحابة الكل يعترف لله جل جلاله بالربوبية فهو الخالق و الرازق و المحي و المميت و هو الذي رباهم بنعمه و آلائه 00

فالليل سكنا و لباسا برحمته ، و النهار معاشا بربوبيته ، اذ تخرج الطيور من اوكارها ، فيا له من معاد و نشأة دالة  على قدرة الله جل جلاله ، كل يوم ، كل ساعة و دقيقة في شأن يذهب الليل و يأتي النهار ، تغدو الطيور خماصا و تروح بطانا ، تصبح في النهار إلى معايشها و تمسي في الليل إلى أعشاشها تتكرر المشاهد على الإنسان ليفهم تداخل المخلوقات و رسائلها المختلفة ، و يأخذ العبرة منها 00 و لكن الف العادة يمنعه من الاعتبار بها و الاستدلال بها على عالم الغيب حيث شأن المخلوق الضعف بعد القوة ، و الموت بعد الحياة 00 تأمل طلوع الشمس صباحا و تأمل غروبها عند الغروب

تأمل الكتكوت وقت ميلاده ووقت شبابه ثم وقت غروبه وفنائه

تأمل الورقة الخضراء ثم هي صفراء ثم هي جرداء سوداء قاتمة اللون جدباء ثم ترمي بنفسها ملقاة على الأرض ! ” كل يوم هو في شأن ”

تأمل القمر و هو هلال مولود غض طري ثم هو بدر ثم ينتهي نوره و هكذا و في كل شأنه هو حامد لله ربه عز وجل 00 وكذلك كما قلت في شأن الإنسان ، فهو في كل زمان و مكان يختلف و له شأن ، و يختلف حاله من جيل إلى جيل 00 و لفظ ” يسأله ” يشير إلى حالة نفسية مسبقة للسؤال حالة إنسان فتحت له الدنيا بكنوزها و خزائنها ، فزين له الشيطان عمله و صده عن السبيل ، ثم إن الإنسان في طبيعته متأصل فيه حبه و ركونه إلى الحياة بل إلى الخلود قال تعالى : ( هل أدلك على شجرة الخلد و ملك لا يبلى )

أضف إلى ذلك خوفه من المجهول ، خوفه من الدار الآخرة ، و لكن الإيمان بالغيب شيء عقدي و حتمي ولابد منه و يحتاج فيه الإنسان إلى اليقين التام و رسوخ العقيدة رسوخ الجبال الشامخات 00

يسأله أي يطلب منه ، يتضرع إليه في مسكنة و تملق يتزلف إليه سبحانه ” يتقرب إليه ” ، فيمكن أن يكون مظهر العبد سببا في بكاء الآخرين فهو يكثر سواد البكاءين ، فالشكل له أهمية أحيانا ، فالحيوان يسأله سبحانه ، فجريه و سعيه و غدوه و رواحه سؤال ، يسعى ليدوم له البقاء ، يحمي نفسه و يطعم نفسه و لا يحرمها و لا يعذبها و لا يهلكها توقيرا لصنعة الخالق و إن لم يفهم ذلك عقلا ، إنما فطرته تأبى الهلاك ، فأين الذي يزعم أنه إنسان ؟! و الإنسان السوي يوقر نفسه ، يحب البقاء لعبادة الله جل جلاله ” خيركم من طال عمره و حسن عمله ” انه يسأل الحي القيوم يسأله بأسمائه و صفاته ، يسأله بلسان الحال و المقال

و لفظ ” من ” جعل كل شيء مخلوق له طبيعة تفهم ما يصلحها و كأن لها عقل ، خلقه الله تعالى و هداه إلى منافع حياته حتى وان كان حشرة لا ترى بالعين المجردة ، هذه الحشرة تحرص على حياتها و هناك من يحرص على الموت ظنا منه أنها شهادة في سبيل الله و هذا الموت ليس حبا في الدار الآخرة و ما عند الله جل جلاله ، إنما حبا في الدنيا حتى بعد الموت يحب الدنيا ، يفخر بنفسه و إن مات ! يعد هذا شجاعة و بطولة و جرأة في الحق ! و جهل المسكين أنه انتحار و هلاك لنفسه و للآخرين ، و تأمل ” من في السماوات و الأرض ” و كأن السماوات و الأرض كتلة واحدة ، لم يقل ” و من في الأرض ” ، و بدأ بالسماوات رغم أن الأرض هي الأصل و السماوات جزء منها تفتق عنها ، و السؤال سؤال مستمر يتعاقب بتعاقب الأزمنة و الأجيال و يختلف السؤال من شخص لآخر

قال تعالى ( منكم من يريد الدنيا و منكم من يريد الآخرة.. ) ال عمران

و الهمزة في ” يسئله ” تمثل عقبة  و الإنسان في سيره إلى الله جل جلاله تقابله عقبات شتى و يحتاج دائما و أبدا أن يسأل الله تعالى و يطلب منه..

عندما يريد الزراعة ، يحتاج إلى أرض و ماء و هواء و تربة جيدة و بذور جيدة ، و عمال ، و سماد و أدوات نقل للتصدير و الاستيراد و أموال وعلاقات ، و الهمزة تعني المعاناة ، معاناة الإنسان تبدو واضحة في سؤاله ، لم يقل ” يدعوه ” لأنه في ورطة و مأزق ، و قد يسأله عز وجل الظالم فيمد له مدا ، فيستدرجه ، يسأله السارق أن يرزقه و يسهل له عملية السرقة وهكذا ! فإذا مد له مدا ، عظمت جريمته و شاع خبره و مد له العذاب في النار ، و أخذ موقعه  فيها عياذا بالله تعالى

قال تعالى : ( و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16) و كم أهلكنا من القرون من بعد نوح و كفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17) من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18)  )الاسراء

هذا الذي اتخذ الهه هواه ، أصبح هواه يتمثل في ماله ، منصبه ، كرسيه ، حزبه 0000 الخ فهو هنا تمسك بهواه ، تاه في الطريق ، استبدل حبل الله المتين بهواه فانقطع الحبل و سقط و انشطر القلب ، فأصبح من الوجوه العاملة الناصبة ، الذي يعمل لغير الله تعالى ، فهنا العطاء و المكسب المزيف ، زيادة في سواد القلب ، حتى يعلو الظلم فيعلو السواد  فى القلب عياذا بالله 0

” يسئله من في السماوات و الأرض ” فكأن كل الكائنات على وعي و ادراك ، و كأن البذرة اليوم ستكون برعما غدا ، ( كل يوم هو في شأن ) فالضمير ” هو ” يعود على الذات الالهية و” شأن ”

أي شأن مملكته سبحانه ، فمع النفحات تتغير قلوب العباد و مع الرحمات تتغير أحوال البلاد ، و في رمضان تفتح أبواب الجنان ، و تغلق أبواب النيران ، و شأن يوم الجمعة غير سائر الأيام ، و كذلك وقت السحر أنها شؤون وأحوال ، تتغير باذن الله جل جلاله في كل وقت و شأن العبد غير شأن الله جل  جلاله ، و الله تعالى في هذه الآية يلفت النظر إلى ضرورة الانتباه إلى تغير الحال ، و أخذ الحذر ، فالإنسان عندما يعتاد النعم ، تصبح النعم عنده شيء عادي ، بل يتخذها سلاحا و هزوا فتراه يظلم نفسه و غيره ، اعتاد على رؤية نهر النيل ، فتراه يلقي فيه القاذورات و مياه الصرف الصحي بل يسرق ماء النيل ، و يخطط لحرب المياه ، و هكذا في كل أمر من أمور الحياة ، هذا شأن الإنسان مع النعم بل مع أخيه المسلم ، فنجد دولة تعتدي على دولة ليلا و الناس نياما فتتجرأ دولة أخرى بالسطو على الدولة المعتدية ، هذا طغيان النعم !

لذلك نجد النبي محمد صلى الله عليه وسلم يذكرنا بأن نكثر من ذكر هاذم اللذات ” أكثروا من ذكر هاذم اللذات ” كيف ؟ هذا معنى من معاني الآية ، فيا أيها العبد لا تظن أنك باق طول الأمد ، بل أنت في يوم ما ستموت حتما مثل غيرك ، فاعمل فان الغد قريب ، اليوم عمل و غدا حساب و جزاء إما جنة أو نار ؟

إذا اخوتاه //

فمصدر التقدم و العزة الحذر و الخوف و الفكر فيما هو قادم و الاعداد له ، فعلو الأمم و عزتها فيما تصنعه و تحسنه بعد التمسك بدين الله تعالى ، فالمسلم يجب أن يكون في عمل دائم و شغل  دؤوب ، قال تعالى : ( اعملوا آل داود شكرا )

” كل يوم هو في شأن” فيها تهديد و تعريض للحوادث المستقبلية سواء كانت حسنة أو سيئة و كل يوم يأتي بما هو مقدر و مكتوب من صحة و مرض و ابتلاء و فتن و حروب ، حتى أن أشكال الحروب تتغير فلم يعد السيف من أدوات الحروب ، فأنت تسمع عن حرب المياه ، الحرب الباردة  والحرب الناعمة   ، الحرب الاعلامية ، حرب النجوم ، فتجد دقة في الأداء ، سرعة في التغيير ، تجد شكل التكذيب اختلف بدقة و أداء العصر ، خذ عندك هذا النوع العصري من التكذيب و التدليس ” تطوير  الأرض ” افساد الأرض أي اعادة برمجة الأرض على هواه و لا يهمه صحة البشر ، المهم عنده الكمية تكفيهم أما نوعية ما تقدمه الأرض من أمراض لا يهمه ، فجاءت أمراض لم نكن نسمع عنها ، يزرعها في الصباح و يريد الحصاد مساءا ، كيف هذا ؟ فتراه يحصد الأمراض و الأورام و الأوبئة و العلل المستعصية و يجمع الدراهم و لا يهمه الناس !؟ حتى أصبح الدواء هو الداء ، و هكذا في جميع نواحي الحياة ، في الاقتصاد ، في التعليم في بعض أجهزة الاعلام ، في النواحي الاجتماعية ، وصار المجتمع متشرذما متفككا ، متحزبا ، انه حصاد السنين المر ، و حال البلاد لا يخفى على أحد لذلك جاءت ” سنفرغ لكم أيها الثقلان ” تحدي مشوب بالغضب ، لقد ملئ الكأس و فاض ، حسابات قديمة حان وقت استيفائها ، لقد بالغت هذه الشرذمة من الإنس و الجن فى العصيان وفي التحايل و الخداع و المكر و الدهاء لدرجة أن البشر لا يتبين خطورتهم ، غسلوا العقول و مسحوها بل و مسخوها ، أفسدوا عقيدة الناس و سرقوا هوية المجتمعات إلا من رحم الله تعالى ، أنها العمالة الخائنة لله تعالى أولا ثم البلاد و العباد ، تستروا تحت عباءة الدين الواسعة و تسربلوا ثياب المكر و الدهاء و حسبوا أنهم أذكياء و لكنهم قوم لا يعلمون ! دائما و أبدا يحاولون كسب تعاطف الناس باسم الدين ثم تعمية الشعوب بافساد العقيدة و من رحمته انه يخرج اضغانهم ويكشف امرهم  فيوقظ من اراد من عباده فيحذروا ويظل كثير منهم فى ضلال مبين وظلم عظيم

، و هذا هو المطلوب

ولذلك قال القائل : لكنس حرمين بابرتين

و غســـل عـــبدين أسودين بقـــطرتين

و نقل بحرين ذاخـــرين بــــمنــــخلين

و حـــمل حـــجارة جبـــلين بانـــــاءين

أهون من الشرك بحرفين أو بكلمتين 00! قال تعالى ” ان الشرك لظلم عظيم”

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

الطاقه الايجابيه

ـ  تعمل الطاقة الإيجابية و هي الخير في تحصين الإنسان من الانزلاق في الشهوات و …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *