الرئيسية / مقالات / كيف ينجو العبد و يصل إلى مرتبة الخوف من مقام ربه

كيف ينجو العبد و يصل إلى مرتبة الخوف من مقام ربه

وفي تفصيل كيف ينجو العبد و يصل إلى مرتبة الخوف من مقام ربه

يقول الله عز وجل بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } [النازعات:40].

اخوتاه  : هو طريق واحد، إما أن ينتهي إلى الجنة أو إلى النار، والله تعالى بين أنك لن تنجو ولن ينجو عبد من النار إلا بأمرين: أحدهما  يترتب على الاخر  الآخر، ما هما الأمران؟ { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ } [النازعات:40] الخوف من المقام والموقف بين يدي الله  ثم { وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } [النازعات:40] ما هي النتيجة؟ { فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } [النازعات:41] هذا هو الطريق الوحيد الذي تنجو به من عذاب الله وسخط الله.

يا هذا! الأيام مراحل تطوى بك لكي تقربك إلى الله عز وجل، كل يوم تصبح فيه فتأتيك دواعي المعاصي، تذكر يا أخي ما هذا اليوم؟ هذا اليوم خطوة إلى الله عز وجل خطوة تقربك إلى الله سبحانه وتعالى خطوة تدنيك من الله عز وجل، إذا كانت الأيام والليالي لا تزيد العبد صلاحاً فوالله لا خير في العيش، لماذا نطلب الحياة، ونطمع فيها؟ والله والله لقد تنكد العيش، ولم يعد للعبد أمل في العيش إلا أن يزاد فقط له من الحسنات، والله ثم والله ثم والله! لو علم العبد أن الحياة لا تزيده من الله قرباً لسأل الله الموت؛ ، الحياة ملئت بالفتن وبالمعاصي وبالمحن، كلما سعى  لإنسان في سبيله إلى الله جاءته هذه الفتن والمحن من كل حدب وصوب، من القريب والبعيد، ممن يعرف وممن لا يعرف.

إذاً اخوتاه  في الله! هو طريق واحد: طريق الناجين، ووالله لا نجاة في غيره أبداً، طريق واحد، قال تعالى: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } [الفاتحة:7] { فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً } [النساء:69].

أحبة القرآن //

و إن أراد الله تعالى إظهار خير و الهام تقوى من خزائن الملكوت حرك الروح بخفي اللطف فتحركت بأمره جلت قدرته فقدح من جوهرها نور سطع في القلب همة عالية ، و لكل عبد همته في الخير على قدر مبلغ علمه و منتهى مقامه 0 انه الهام التقوى

قال تعالى : ( و نفس وما سواها فألهمها فجورها و تقواها قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها) وكل هذا يحدث بالطبع باذن الله تعالى و عن طريق ملك موكل بالقلب يلهم الخواطر الحسنة و يحث العبد عليها ، و يجد الملك اليقين و يطمئن العقل و يصير مع الملك بتأييد الله جل جلاله ، و تطمئن النفس و ينشرح الصدر فيقوى اليقين بصفاء الإيمان 00 و تنطفئ شعلة الشهوة و يقوى القلب لضعف النفس و يزيد الإيمان فتغلب الهداية و يلبس العبد رداء التقوى و الحياء فتظهر الطاعة لغلبة الحق و زجر الباطل و الله جل جلاله غالب على أمره ، هذا الذي خاف مقام ربه

اخوتاه //
و هذا كله محض فضل من الله تعالى و ليس عن استحقاق للعبد ، لأن نعم و ءالاء الله تعالى عظيمة لا يوازيها شكر ، فإذا كان معرفة مقام الرب عز وجل محض فضل منه سبحانه إلى جانب نعمه و ءالائه فكيف يرى العبد لنفسه فضلا ؟!
و العبد يعلم أن ربه هو الغني ، وأنه سبحانه قادرعلى أن يغنيه و يعطيه ، يعلم مقام ربه ، بأنه سبحانه اختار له ما يصلحه ، و يجعله على صراط مستقيم ، فلا يفتن يعلم مقام ربه في أنه عز وجل دبر له حياته ، نظم له درجة حرارة جسمه و الكون من حوله ، شمس و قمر و رياح و سحاب و مطر ، نجوم و كواكب ، كل شيء مناسب و مهيأ و مسخر للإنسان ، فالإنسان يستشعر هيبة ربه الخالق ، يعلم نعمه فيخافه ، ماذا لو قل الماء و حبس الهواء و ندر الغذاء و منع الدواء ؟! و الكافر يخاف و لكن لا يخاف ربه ، يخاف أن تنتزع منه الدنيا ، فيعمل الخطط لخمسين سنة قادمة ، و دراسة جدوى ، لكل نواحي الحياة ، هو يحب الحياة الدنيا ، ليس له غيرها فهو حريص عليها !
” ذواتا أفنان ”

ـ هاتان الجنتان مختلفتان في العطاء ثمارها ، مختلفة في الألوان و الأحجام و الأشكال و المذاق و البريق و الروائح و الأسماء ، جماليات و ابداعات في نوع الشجر في ورق الشجر ، في الأوراق و الأغصان و الثمار 000 فنون و علوم و أذواق ، أسرار و أنوار و أفكار متجددة بتجدد الأنفاس ، ذواتا أفنان أي :- أغصان جمع فنن ، و خص الأفنان لأنها هي التي تورق و منها تجنى الثمار و تعقد الظلال ، أو جمع فن أي : – نوع و المعنى أنواع من الأشجار و الثمار
دقة و رقة ، فكل جنة لها ميزة و جمال ، أفنان ، فالناظر لها يندهش من جمالها و رقة صنعها ، فكلمة أفنان توحي بنواحي ابداعية في الجنان ، بمعنى أنك قد ترى حدائق معلقة ، جبال مزروعة ، وردة مثلا تجمع معظم الألوان ، و الألوان كالأنوار الكاشفة ، انه بديع السماوات و الأرض ، و أنت ترى طرق منسقة ممهدة مفروشة بالمسك و الزعفران ..

، و الطرق مرسومة برسومات هندسية و على الجوانب النخيل و الأشجار ملتفة في شكل يثير الفرح و الدهشة نخيل مزخرف و شجر مزركش بالألوان و الأنوار ، تفوح منه أطيب رائحة ، و الروائح تملأ الجنان سعادة و نشوى ، كباري و جسور دقيقة الصنع ، بألوان مبهجة ، من ذهب منمق بالغ في الدقة و الجمال ، سيقان من جذوع النخيل مطعمة بالذهب و الفضة و يدخل فيها شكل جمالي عروق من الياقوت و المرجان ، تعانقه أوراق فضية في لون أخضر غامق ، و تحرك الأوراق على الثمار نسائم رقيقة
((( و لمن خاف مقام ربه )))

محملة بأزكى أنواع العطور ، و هناك المحميات و المزارع السمكية بجميع أنواع السمك الملون الصغير منه و الكبير أفنان جنات داخل الجنات معروشات و غير معروشات ،
اخوتاه //
الجنتان لهما أفنان خاصة ، ليستا جنتان عاديتان بل لهما طابع فني رقيق و دقيق ، بالغ الدقة و المهارة ، لتناسب رقة شعور و احساس صاحبها كان إنسان مرهف الحس ، فنان ، مبتكر في عمله بارع في مهنته ، دقيق في شغله ، متميز في أدائه فريد في انتاجه ، كان يطور نفسه و فكره و عمله ، إنسان مبدع ، يتسم بالتجديد ، روحه متألقة لا يرضى بالسأمة و الرتابة ، كل يوم كان في جديد ، متجدد الفكر غير متجمد ، يحب الطبيعة و الألوان و ربما كتب شعرا رقيقا ، و ربما رسم لوحة مميزة جميلة ، ربما زرع بستانا باهر الألوان ، كان يحب الروائح و العطور ، ينمق العبارات و يختار الألفاظ و يبدع في الجمل و الفقرات ، له أسلوب مميز في الالقاء ، المستمع له لا يمل و لا عقله يختل ، مميز في كل شيء ، فجعل الله له بهذا جنتان ذواتا أفنان تقديرا لمشاعره و حسه المرهف ، و خوفه من مقام ربه و الذي كان له بالغ الأثر في حياته حيث كان يتسم بالفكر و التأمل و التدبر و الابداع 00 و كل هذه هبات و عبقريات من الله الوهاب ، فأي جمال و أي أفنان في الجنان يكذب بها الإنسان و هو يرى في دنياه حدائق و بساتين ذات بهجة و ألوان ؟! و فنون هذه الجنة غير فنون الأخرى ، حتى أن الماء يتفنن في طرقه و مسالكه و شكله أثناء جريانه ، الجذع يتمايل و الفرع يتراقص ، و الثمار تتدلى و تدنو و تتجمل و تتلون و تتحلى و تتزين ، تدنو و ترتفع و الندى يلامس ورق الشجر يداعبه ، ينديه و يغمره بحبه 0

((( فيهما عينان تجريان 0 فبأي ءالاء ربكما تكذبان )))

و تجد العيون الجارية في أي مكان في الجنتين ، عيون مختلفة ، ماء محلى سلسبيل عذب ، صافي و نقي ، بارد و شهي مياه متحركة سهلة الحركة يمكن أن يكون لها شكل النوافير ، لها أصوات جميلة و حولها طيور رشيقة خفيفة الروح و الظل و الشكل ملونة مغردة ذات ألوان و بهجة ، أصواتها عزف يملأ ذرات الجنة و عروشها بهجة و سرورا ، سحب فوق العيون و كأنها خيوط نسجت من أرق خيوط الذهب و الفضة يشع من بينها أنوار بيضاء لامعة لها بريق ، تتجمع و تتزاحم و تتراقص مع بعضها البعض في أشكال يعجز القلم عن وصفها 0

هذه السحب 0 تمطركل ما يشتهي صاحب الجنة ، و تحتها تتمايل أشجار ذات أغصان و عليها ثمار و تحتها أوراق تحنو عليها و تضمها إليها كالأم الحنون و تتناغم الحركات مع حفيف الأشجار ، صوت شجي و حركة رقيقة هادئة تبعث السعادة في النفس ، و تقف الحور العين منشدات على شواطئ الأنهار مع الولدان و الغلمان ، و يشكلن أشكالا و ألعابا كلها حيوية و شباب و مرح ، و كل واحدة منهن لها صوت ندي ، و يلبسن زي موحد منظم غاية في الحسن و الجمال ، طيور و أشجار ، أنهار و عيون ، غلمان و حور وولدان ، سحب و هدايا ثمينة ، جو مليء بالفرح و السعادة 000 روائح تنبعث من عيون الماء هذا مسك و هذا عنبر و هذا ريحان و هذا عبير فواح و هذه رائحة فل و ياسمين وورد و هذه رائحة زهر البنفسج ، يأتي من العيون رذاذ بارد و منعش، يجري ماء الشباب فيمن يشرب منها بل من يقترب منها ، ضحكات و ألعاب ، و فنون ، كل الطبيعة تتمايل طربا و سعادة ، و تتغير ألوان و أشكال و روائح المياه كل طرفة عين ، فالمياه متغيرة متجددة متحركة يتجدد الطعم و اللون و الشكل و الرائحة ، كل قطرة منها لها لون و بريق و ضوء و لمعان و صوت يختلف عن القطرة الأخرى ، ” عينان تجريان ” تجري من أين من أعلى أم من أسفل و لمن تجري ؟ إن كل جنة فيها عيون و لكن هاتان العينان مختلفتان لأنهما تنبعان من جنتان ذواتا أفنان ، فالشيء الملفت للنظر هنا كثرة الزينة والزركشة و كثرة زحام الشجر و النخيل و صوت الطيور و المياه و كثرة الحركة و الألوان و الروائح و الطعوم زينة في زينة و

((( فيهما عينان تجريان 000 )))

جمال في جمال ، أفنان و أنغام و ألون في عينان تجريان 000 من السلسبيل و التسنيم أو من الماء و الخمر 00 لمن حرموا نعيم الماء في الدنيا ، لمن حرموا الترف في المياه ،
أصحاب القرآن //
أحضروا تصوركم و فنكم في جنتان ذواتا أفنان ، تصوروا نعيمكم رأي العين و شموا عبيره بأرواحكم قبل أن تعاين عيونكم فأين نور البصيرة ، نور القلوب ؟!
انها شلالات و نوافير ، ذات أصوات مبهجة و تصوروا صوت دفع و ضخ المياه بنعومة و هدوء و انسيابية إلى أعلى ، المياه تندفع بفرح ، تشارك أصحاب الجنتان أفراحهم و سرورهم ، تندفع من صخور ذهبية و أخرى فضية ، و الصخور كالقواقع ، صخور هندسية كل صخرة لها رائحة مميزة و لون بهي جميل ، و يمكن للماء أن يأخذ لون الصخرة ، يمكنك أن ترى نافورة تشبه السمكة أو الحوت و يخرج من فمها الماء ، شغل يدوي فني عجيب و مدهش

الله تعالى يرينا فنون الماء ، فالماء له رسالة فنية ، له ذاكرة ايمانية ، الماء نفسه يريد أن يفرح صاحب الجنة فلطالما صانه في الدنيا و لم يعكره و لم يلوثه و لم يحتكره ، طالما حفظه و حافظ عليه عذبا فراتا ، و ها هو اليوم يستعرض فنونه و جماله و جريانه ، أينما يذهب أمير الجنة فهو معه ، بصوته بطعمه العذب برائحته ، بلونه الجميل البراق ، و ها هو صاحب الجنة تتدفق مشاعره مع جريان الماء ، الماء ينفعل له و يريه منه ما يسعده ، يريه ما لا يراه غيره ، و هذا من جنس عمله ، فلقد عاش الدنيا يتأمل معانيها و أسرارها و جمالها ، يتأمل و يتدبر ، فوفقه الله تعالى لفنون الدنيا المبهجة ، فيجعل له ما يفرحه حقيقة و ليس مجازا كأن يوفقه لتدبر معاني القرآن ، يحييه بالقرآن ، يجعل حياته قرآن ، يطهره للقرآن ينعشه بماء الحياة ، بروح الحياة ، القرآن ، يفتح له من خلال نوافذ يرى من خلالها الجنة و هكذا من يعيش بالقرآن و مع القرآن 00 يحيا حياة طيبة ، و يحيا حياة سعيدة بعيدة عن صخب الدنيا و هم الدنيا و نكد الدنيا 00 اللهم اجعلنا من أهل القرآن و خاصته 00 و أجري معاني القرآن غضة طرية على ألسنتنا و قلوبنا و علمنا منه الحكمة و البيان 00 فأنت الرحمن00

ثم تأملوا اخوتاه //
” تجريان ” فليس مجرد ماء يجري فقط بل يجري فيه قواقع و لآلئ و أسماك ملونة رائعة الجمال ، يجري في الماء جواهر و أحجار كريمة لها بريق أخاذ انه ماء يجري بجماليات دقيقة و ناعمة و كثيرة ، كل دفعة من الماء تحمل هدايا وتحف و عطايا ربانية ، فالماء يحمل معه خيرات ، يأخذها صاحب الجنة و يصنع منها أشكال و متاع رائع يتباهى به و يسعده بل و يسعد به غيره هدايا و عطايا انها كنوز الرحمن قال تعالى ( و ما من شيء إلا عندنا خزائنه ) فالماء يجري و يجري معه السعادة
و قد نجد بعض قطع الجمال في بلادنا و بقية البلاد العربية و خاصة الطبيعة في البلاد الأجنبية ، و الصور و الفديوهات ذات الأصوات و الطيور و المياه و أشكالها تشهد بهذا 00 هذا في دنيا الناس واقع و ملموس فكيف به في جنة الرحمن ، فبأي شيء يكذب الإنسان ، هل يكذب عينيه أم أنفه أم يده ، هل يكذب كل ما يرى في الدنيا ، فكيف به لو رأى جمال و نعيم الآخرة ؟!

كتبه/ ام هشام

 

 

 

شاهد أيضاً

بناء النفس !! كيف يكون

بناء النفس !! كيف يكون بناء النفس بناء يصل إلى عنان السماء ، بناء لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *