الرئيسية / مقالات / (((  كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19)  )))

(((  كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19)  )))

(((  كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19)  )))

و لذلك هم قوم لا ينسون فضل الله تعالى عليهم أبدا ، أن وقاهم النار, ولذلك الله سبحانه يقول لهم ” كلوا و اشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ” يحق لكم أن تأكلوا و تشربوا و تهنئوا, فالحُر يأكل و الآمن يأكل و صاحب العافية يهنأ ، و على النقيض كيف يأكل المأسور و السجين و المريض و الخائف ؟

ولم لا و قد رأوا بأم أعينهم كيف وقاهم و مم وقاهم ، وقاهم و غيرهم سقط و عُذب ، فلما لا يأكلوا و يشربوا و يهنئوا 000 و لم لا والذي يدعوهم لمأدبته هو ربهم ، فإنهم في جوار ربهم في ضيافة ربهم في جنات ربهم 000 يجدون الطمأنينة و السكون و الأمان, إنه الهناء و إن هذا الجزاء جزاء ما كانوا يعملون ، فالعمل و إن قل لكنه يتسم بالإخلاص لله تعالى ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم , و لذلك كان عمله صلى الله عليه وسلم ديمة ، كان صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا أثبته , وأحب الأعمال إلى الله تعالى و كما قال سبحانه في الحديث القدسي ” و ما تقرب لي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه 00 ” فهؤلاء حافظوا على فروض دينهم و أركانه قدر استطاعتهم ، رغم زلاتهم و ضعفهم و حاجتهم ، و لذلك أكرمهم الله تعالى بجناته و بالنعيم الخاص بكل إنسان فيهم , فالنعيم عند إنسان ما يختلف عن مفهوم النعيم عند غيره ، هذا يرى نعيمه في زيادة الزركشة و الزخرفة الناعمة لقصوره و مساكنه , و آخر يرى النعيم في كثرة الولدان و الحور ، و غيره يرى أن نعيمه في زيادة النخيل و الأشجار و البساتين ، و آخر يرى أن نعيمه في السفر من جنات لجنات , وهكذا تتعدد أنواع النعيم و يختلف من إنسان لإنسان ، كل حسب اهتماماته و ذوقه و علمه و ثقافته و هواياته 000 ثم تفكهوا و تندروا و تعجبوا بما آتاهم ربهم من عطايا و هدايا ، آتاهم ما يحبوا و أهم ما آتاهم هو أنه وقاهم عذاب الجحيم , ثم دعاهم لما يحبونه من الطعام و الشراب 00 على مأدبة فضله و كرمه في جناته الخالدة .

(((  مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (20)  ))(

ثم ها هم أراهم يتكئون على سرر مصفوفة جاهزة منظمة متراصة بشكل جميل , و كأنهم لأول مرة يتكئون ليشعروا بالطمأنينة و الراحة النفسية في سرور و نعيم منقطع النظير ، و هذا يدلنا على أنهم في الدنيا ما كانوا من أصحاب الترف و النعيم ، بل كانوا في شغل متعبين مجهدين , و صاحب الجنة يخطر في باله أخيه في الله أو صاحبه أو قريب له , فيجد سريره أمام سريره

و لكن لا يتصور أحد أن صاحب الجنة متكئ على سريره في أمان الله و فجأة يسقط عليه سرير من سماء الجنة فيفزع !   إنما مثل الدنيا مواعيد و إذن و استعداد لاستقبال الضيف ، فربما يخطر في بالك في الدنيا أحد الناس, و لكن بعد يوم  بعد ساعة  بعد أسبوع  تراه يتصل بك أو يزورك و ربما في الحال ، فالحياة في الجنة قريبة الشبه بالحياة هنا مع الفارق 000

” متكئين ” دون انزعاج من أحد , ليس هناك رنات تليفون أو جرس باب أو آذان يناديك للصلاة وأنت نائم فتقوم لصلاة الفجر ، أو استدعاء لك في عز الفجر وأنت طبيب أو مُغسل للأموات ، أو قلق لأن عندك امتحان أو مقابلة أو سفر ، أو هناك جيران مؤذية يقطعون عليك ساعات الراحة ، أو أنك سائق تعمل بصفة مستمرة و لا تستطيع الراحة إلا قليل ،

أو أنك ضابط ملزم بمسئولية حراسة بلدك , وحدودك ليل نهار ، أو أنك ممرض تعمل ليلا لرعاية المرضى و تخفيف آلامهم 000 لا إنها سرر مصفوفة للاتكاء و الراحة بلا منغص ، بلا ضوضاء , بلا حرارة أو برودة ,

نعيم اهل الجنة                                                                                                                                                بل نسيم يداعب عيونك و شعرك ، و نغم الطير حولك و خرير الماء يعزف لك أرقى أنواع النغم إلى جانب الألوان المتداخلة من سقف العرش و روائح الجنات العطرة ، و التي تسري مع الألوان الهادئة ..

و كأنها مجالس مع أحبابهم من أهل الجنة رجال مع رجال , و نساء مع نساء ، يتبادلون أطراف الحديث ، و هم في غاية السعادة و الأمان و الجمال إنها ليالي السمر في الجنة ، ليالي كلها حب و مودة ..

ثم على الجانب الآخر 00 هناك و على مد البصر حفلات نسائية راقية تحييها الحور العين حيث الانشاد ولعب الولدان , وها هم الغلمان يقدمون أشهى أنواع الطعام و الشراب غناء و أناشيد وحفل نسائي بهيج وموائد ممتدة بأشهى و ألذ أنواع الطعام و الشراب ، و ها هم الحور العين ينشدون و يملئون الجو بالفرح و السعادة ، إنهم يحتفلن بقدوم نساء الجنة من أهل الدنيا و معلوم أنهن وصيفات لهن وخدم عندهن , فهن بمنزلة الجواري الحسان ، فهناك حور عين للزواج و حور عين جاريات عند نساء الجنة من أهل الدنيا..

و ليس الزواج فقط هو المتعة في الجنة , إنما هناك متعة الجمال و متعة الكلام و متعة النظر و متعة الأنس ، فالمزاوجة بين اثنين ليس بالضرورة الزواج الذي نعرفه إنما الفرد الواحد يضاف إليه مخلوق آخر , ربما ليس من جنسه يضيف إليه نوعا من الأنس و المتعة و الجمال ، قال تعالى : { و زوجناهم بحور عين } و الحَور صفة في العين أي شدة البياض و شدة السواد في العين و ” عين ” جمع عيناء  , وهي الواسعة العينين مع جمالهما أي أنك إذا نظرت إلى فمها لوجدت أنه أصغر من عينها مرتين ، لذلك يصفون جمال الفم بأنه مثل خاتم سليمان ، و الزواج في الآخرة ليس بمقياس الدنيا , إنما له صور أخرى يعلمها الله تعالى ، فالزواج هناك خاليا من الشوائب ، فلا حمل و لا ولادة و لا طمث و لا آلام و لا نفاس ,

قال تعالى : { و أزواج مطهرة } فالزواج في الآية معناه زوج مقابل فرد ، أي أنه يتمتع متعة عظيمة بالنظر للحورية المهداة إليه ، و هذا قول معظم المفسرين ، فهناك محبة و صداقة و إخوة و خلة 00 هناك علاقات رائعة الجمال ،

الآية تتكلم عن المتقين رجالا و نساءً ، و حور جمع حوراء كالحمر جمع حمراء , و السود جمع سوداء و هي في الأصل اللغوي جمع للعيون الحوراء ، و الحوراء مؤنث لحور ، و هي مشتقة من الحيرة لأن العين التي تراها تحتار فيها لفرط جمالها من شدة بياض بياضها و شدة سواد سوادها و كذلك كلمة عين جمع لصفة توصف بها العيون الواسعة و العيناء مؤنث أعين و هي و الجميع ” عين ” فالجمع واحد في الإناث و الرجال 0

وهكذا يتضح أن اللفظ يدور أصلا حول العيون والعيون الجميلة ليست حصرا على النساء ، هذه امرأة حوراء ، و هن نسوة حور و هو رجل أحور ، و هم قوم حور ، وهناك في الجنة صداقة و إخوة دائمة بين أصحاب الجنة الذين يحار الطرف في جمالهم أو جمالهن ، فالموضوع هنا ليس المقصود منه الزواج إنما الأنس بالجمال الذي هو قمة ما يعرف من اللذات فلا فردية في الجنة  كما لا عزوبية ، فالإنسان في الجنة في حالة زوجية دائمة ، هو و الجمال و الأنس و المتعة جمال الطلعة و المُحَيا و حُسن المنظر و التي تبدو و لأول وهلة في جمال العيون ، و معلوم أن الملائكة ليس فيهم ذكور ولا إناث و هذا الوصف لا ينطبق عليهم ، إذا أمامنا الرجال و النساء و تلك عيونهم ، فهم حور ،

قال ابن عباس : السرر في الجمال ” إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه و لا يمله يأتيه ما اشتهت نفسه و لذات عينه ”

[ أخرجه ابن أبي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي مرفوعا 0 ]

و عن ثابت قال : بلغنا أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة عنده من أزواجه و خدمه و ما أعطاه الله من الكرامة و النعيم فإذا حانت منه نظرة ، فإذا أزواج له لم يكن رآهن قبل ذلك فيقلن قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيبا

[ أخرجه ابن أبي حاتم عن ثابت البناني موقوفا ]

مصفوفة : وجوه بعضهم إلى بعض ثم جعل لهم قرينات صالحات من الحور العين متكئين على سرر من الذهب مكللة بالزبرجد و الدر والياقوت و السرير ما بين مكة و آيلة ، و اتكاؤهم يدل على راحة البال و الطمأنينة و السرور وهم على سرر منظمة مرتبة بهيئة جميلة غير تقليدية ،

فتصور جمالهم و جمال أسرتهم و حُسن نظامها و اصطفافها و زينتها و زخارفها وعلوها و جمال معدنها وبريقها,  وتأمل جمال الحور العين فهن كاملات الأوصاف ، جميلات النعوت ، تسر الخاطر وتروق الناظر ، فهي حور يحار فيها الطرف ، يُرى مخ سوقهن من وراء ثيابهن و يرى الناظر وجهه في كبد احداهن كالمرآه من رقة الجلد و صفاء اللون قال صلى الله عليه وسلم : ” لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما و لملأت ما بينهما ريحا و لنصيفها على رأسها خير من الدنيا و ما فيها ”

[ خ / 2643 ]

و هذه الحورية هي من أصل نعيم الجنة ، و إنما خُلقت لغيرها وجُعلت جزاء للمؤمن على العمل الصالح ، و هي طوع أمر سيدتها ملكة الجنة ” امرأة الدنيا من أهل الجنة ” و طوع أمر سيدها المؤمن 00

ما هذا الجمال ، جنات و نعيم ، و آتاهم ربهم بما هو عليم من أصناف النعيم ، و أصل النعيم أنه سبحانه وقاهم عذاب الجحيم ، ثم هم يأكلون و يشربون كل ما لذ و طاب ، ثم بعد الطعام و الشراب يتكئون على أسِرة عالية الحُسن و الجمال, ثم صحبة الحسناوات من الحور العين و في وسط هذا النعيم تبدو في الأفق نعمة جديدة و جليلة و هي تفضل الملِك عليهم بإلحاق ذريتهم و أولادهم و أحفادهم إليهم ، ثم إخبارهم في نفس الآية أنهم لن ينقصوا من نعيمهم شيء ، حتى لا يظنوا أن أولادهم سوف يقتسمون معهم منازلهم و جناتهم ..

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *