الرئيسية / مقالات / ليل الانسان ونهاره

ليل الانسان ونهاره

ليل الانسان ونهاره …

اخوتاه //

كل ليل له نهار و كل نهار له ليل , وكل إنسان يمر عليه الليل و النهار ، و بدأ الله تعالى بالليل ليدلك على قسوة الدنيا و أنها دار ابتلاء ، فالليل يحمل بين طياته الظلمة والحيرة والخوف و السكون و تخفي العدو ، فالله تعالى لم يجعل الحياة الدنيا نهارا مستمرا ولا ليلا مستمرا  , وبدأ بالليل لأن الحياة  ليست جميلة دائما , فقد تفقد الابتسامة أحيانا و قد تبكي أحيانا , وقد تقسو عليك تارة أخرى وتسد أمامك دروبا كثيرة ، كل ذلك من شأنه أن يولد في الإنسان الحكمة ويجعل الفرد أكثر صلابة و قوة و تحمل و صبر ، فالظروف الصعاب تعلم الإنسان الجلَد ، فالذي يعيش ظلمة الليل غالبا ما ينتظر طلوع الفجر ، و الإنسان الذي يعيش في رغد و ترف و لا يتداخل مع ظلمة الليل أي مع صعاب الأمور ، تجده هشا طريا كالفاكهة التي لم تنضج بعد ، تجده لا يجيد فنون التفكير و التدبير لأن عقله مسترخي  لفترات طويلة بينما الإنسان الذي تعرض لهذه الظروف القاسية تراه يتميز بحب التحدي و الاستمرارية في وجه هذه المحن ، و هو يعلم إن كان مسلما أن المؤمن دائما في حالة ابتلاء ، و أشد الناس ابتلاءا الأنبياء

حكمه الله من خلق الليل والنهار..

 هذا المؤمن يتعلم من كل ليل وابتلاء حكمة جديدة ، فالحكمة نور داخلي ينير العقل و القلب فينطق الرجل بالحكمة  ويُحسن التصرف و التدبير ، و يتروى في الأمور ، فالمؤمن ليس طائشا بل يتسم بالحكمة  والمشورة , يراجع نفسه دائما ، متزن هادئ البال يدرس كل أمر وبعمق ، يعلم أن الليل له صفات و النهار له صفات و بالتالي إن كان زوجا عليه  أن يدرس نفسية زوجته و ظروفها وعقليتها ولا يتعامل معها على أنها مثله 0

والمرأة كذلك يجب عليها أن تدرس شخصية و تكوين زوجها حتى تًحسن التعامل معه ، فكما أن لليل عمل و للنهار عمل ، كذلك كل إنسان له صفاته و نشأته و سمته  وثقافته رجلا كان أو امرأة ، فليس معاملة الرجل كمعاملة المرأة  , وتختلف الأحوال طبقا لحالة الإنسان غنيا كان أو فقيرا ، صحيحا أو سقيما ، عالما أو جاهلا ، مقيما أو مسافرا  , قريبا أو بعيدا ، مؤمنا أو ملحدا وهكذا ، فالرجل الحكيم المتقيد بمنهج السماء يتروى ويحلل و يرتب الأفكار و يوازن فيما بينها بحيث لا يطغى جانب على آخر مثله , مثل قوله تعالى : { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر و لا الليل سابق النهار و كل في فلك يسبحون }

هذا المؤمن يكون رأيه على مهل في كل أمور الحياة , ولا يتسرع في الحكم و يسمع من كل الأطراف و لا يصدق كل ما يقال و لا يأخذ الأمور بالشبهات و يتجرد عن الهوى وكل هذه أمور معنوية  تُكتسب بالتجربة الحية و الخبرة ، و هكذا يكابد المؤمن الحياة اليومية ، فهو خُلق في كبد و نصب 00 و من خلال هذا التدافع تنبت الحكمة , قال تعالى : { و من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } هذا الذي يستفيد من تتابع الليل بعد الليل ، ويرى بزوغ فجر النهار في الليل ، عن طريق محاسبة النفس و تعقل الأمور و دراسة أحوال النفس البشرية , هذه المحاسبة  تفيد في طلوع فجر جديد ، لأنها تنظر بعين فاحصة إلى الماضي لتستفيد منه في المستقبل ، فالماضي كأنه ليل مضى يتأمله جيدا و يفهمه ويتعلم منه حتى يشرق فجرا جديدا و فقها حسنا ، و حكمة بالغة ، إنه تأهيل النفس البشرية في ليل الحكمة ، ليحسن التعامل في النهار ، لقد أضاف أعمارا إضافية إلى عمره بدراسة الماضي ، و أخذ العبر و العظة منه .

منافع الليل والنهار//

إذا فمن الليل نستخرج فعاليات النهار و في النهار نهيئ أنفسنا لاستقبال ليل جديد نرى فيه ما الذي حققناه ، وهي الإيجابيات و السلبيات و نقاط الضعف و كيفية العلاج ، إذا فالليل يتضمن معاني النهار والنهار يتضمن تنفيذ ما أعد في الليل , وأحيانا يرتب الإنسان في الليل برامج النهار ثم يأتي النهار بتدبير آخر مفاجئ من لدن حكيم عليم 00 فكل يوم له تدبيراته و تقديراته ، و بناء على ذلك تختلف سلوكيات الإنسان في كل يوم بل في اليوم الواحد ، و عليه أن يأخذ من صفات الليل و صفات النهار ، حيث أن الليل يتصف بالسرية و الكتمان و حفظ السر و الرفق و أخذ الحيطة و السكون و الرقة و غير ذلك ، ثم يأخذ من النهار حيث الوضوح و إظهار الحجة و البيان ، و تقديم المنهج الرباني بأمانة و لا تأخذه في الله لومة لائم ، و الإقدام والجرأة بحق و الشجاعة و بذل النفس في سبيل الله تعالى ، و الشدة 000

و في رسالة الليل إشارة للإنسان أن يضع في حسبانه حسابات الغد ، فالليل أنسب الأزمنة للفكر الرشيد, قال تعالى : { إن ناشئة الليل هي أشد و طأ و أقوم قيلا }

وجه الشبه بين الانسان وبين الليل والنهار..

واختلاف البشر يشبه اختلاف الليل و النهار و في الاختلاف زيادة و نقصان ، فأحيانا يزيد الليل على النهار و أحيانا يزيد النهار على الليل ، و كل هذا بقدر و حكمة لخير البشرية و حياة الإنسان ، و يختلف فهم الحياة من إنسان لآخر حسب علمه و حكمته و خبرته و مستواه الفكري و العلمي و الاجتماعي ، و حسب سلامة معتقده  بل و سلامة عقله و العقل السليم في الجسم السليم ، فالمؤمن يرى في ظلمة الليل الحق واضحا كالشمس في رابعة النهار 00 و للحق كما تعلم أعوان ، فالملائكة أعوان تذكر الإنسان تعينه بإذن الله ، تلهمه ، تحفظه و تشجعه و تبشره و تدعو له ليل نهار 000 و بعد إعداد العدة في الليل ، يبدأ النهار فتراه يتقدم أو يتأخر يصل أو يقطع ، يعطي أو يُحرم يأمل أو  ينشط أو يضعف ، يعفو أو ينتقم يحفظ نفسه أو يهلك نفسه ، فالنهار يكشف الليل ، يكشف صدق الإنسان أو كربه ، يكشف عطائه أو بخله ، علمه من جهله ، و هكذا تتوالى الليالي و الأيام ، فمن المفترض أن كل ليل يقرب العبد إلى مراد الله جل جلاله ، يتهيأ و يعد العدة فيه …

ثم إذا أقبل النهار ينفذ و يتحرك ، ينشط  و ينتج  وينسج نسيجه إما إلى الجنة , اللهم نسألك رضاك و الجنة أو إلى النار , اللهم نعوذ بك من غضبك والنار 00

ففي الليل ينسج العبد رداء الجنة ، ينسجه بخيوط من ذهب و فضة ، ينسجه  وهو يذكر الله تعالى ، فالعبد يذكر و الملائكة تعمل و تضع له و تبني له وتعمر و تزرع , وفي النهار يزيد العمل الصالح و يبدو له حركة و صوتا ومن ثم تنشط الملائكة في عملها أكثر و أكثر 00 و الكل يعمل في النهار ، جميع الكائنات الحية من جميع الأمم ، فأمة الحيوان تعمل و أمة النبات تعمل و أمة الجماد تعمل و أمة الحشرات تعمل و أمة الأسماك في البحار تعمل الكل يعمل في صمت ، و الكل هداه الله تعالى لعمله و مهنته بعد ما خلقه فالسر يقع عند انقشاع الليل بسريته و سكونه ، فالسر قائم عند جلاء النهار ، و تدخل هذه الأسرار في ذرات الإنسان ، و تتحرك ذرات جسده في نشاط و طواف حول نواة جسمه ، و تجد قمة نشاطه ساعة البكور ، عند بداية السعي ، إنه وقت إنزال المعونة و البركات مع التوفيق ، وقت تجلي النهار عن الليل ، انه وقت امتداد أشعة الشمس و التي تنفذ إلى جسم الإنسان ..

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *