الرئيسية / مقالات / متغيرات النفس

متغيرات النفس

متغيرات النفس

و ألفت انتباه حضراتكم  كما هو معلوم بالضرورة أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يطوفون و لا يعودون ، و قد يقول قائل الحمد لله أن للإنسان قانونا آخر و هو أن المؤمن بإمكانه العودة مرات و مرات للبيت الحرام , أقول نعم هو يعود و لكن ليس كما يفهم عامة الناس الحقيقة أنه يعود كما كان تماما ، إن الذي عاد و عاود السفر للحرم ليس هو إنما هو في كل مرة شخص جديد شخص مختلف تماما عن زيارته المرة السابقة ، فقد مر عليه مثلا عاما كاملا فيه ما فيه من ابتلاءات و أحداث و اختبارات فهو إما يتقدم أو يتأخر فكيف يكون هو نفس الشخص؟  فالموضوع ليس موضوع ذات الشخص إنما المقصود عمله ،

هل يرفعه أم يخفضه ؟

هل زاد نوره أم زادت ظلمته ؟

هل اقترب من ربه أم بعُد ؟

ثم أن الإنسان في الصباح غير المساء ، هو بالأمس غير اليوم , نفسه تتغير و فكره و مشاعره و قلبه ، هو دائم التقلب و التحول  لكن النسب مختلفة من شخص لآخر ، فكيف يعود الإنسان نفسه ؟ إلى غير ذلك من تفصيلات

و لذلك نسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم : ” الصلاة الخمس و الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تفشى الكبائر ”

” و رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ”

” العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ”

و لذلك الذي يطوف بالبيت سبع مرات كأنه ارتقى السبع سماوات الطباق ، و كل سماء لها سقفها و خُزانها و مُلكها و جمالها و بابها و حراسها و ممتلكاتها 00 و علوها 00 فهو يرتقي مع كل طواف لله تعالى و سعي ، و لكنه سعي العبد إلى الغني الحميد عز وجل ، إن الذي يطوف بالبيت الحرام هو في الحقيقة مسافر إلى ربه عز وجل ، هو في حالة ارتقاء روحي عجيب ، هو يطوف و تطوف روحه بالبيت المعمور في السماء السابعة فلا مسافة و لا زمن ، معه معراجه الرباني ” القلب ” منير بنور الإيمان, فيشحن الروح فتنطلق الروح إلى ربها بغير حواجز و لا حجاب 00 فيطوف الجسد في البيت الحرام و تطوف روحه في البيت المعمور في نفس اللحظة و عندنا حديث بلال رضي الله عنه يبين لنا هذا المفهوم .

روى البخاري 1149 و مسلم 2458 عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر : ” يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام ، فإني سمعت دَف نعليك في الجنة ، قال : ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي ”

و في رواية الترمذي 3689 عن بريدة قال : أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالا فقال : ” يا بلال بما سبقتني إلى الجنة ؟ ”

و تقدمه هنا كما قال ابن القيم رحمه الله : لأنه كان يؤذن فيتقدم آذانه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم و يتقدم بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم فتقدم دخوله بين يديه كالحاجب و الخادم 00 فتقدمه كرامة لرسوله صلى الله عليه وسلم و إظهارا لشرفه و فضله ، لا سبقا من بلال بل هذا السبق من جنس سبقه إلى الوضوء و دخول المسجد ليفتحه و يؤذن 000 و كان يمشي بين يديه و هذا كان من عادته رضي الله عنه و بلال في مقام التابع ، و هذا يوحي بقرب منزلة بلال من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و أنه يديم على مثل هذا العمل الصالح و في هذا بيان لفضل النوافل عند الله تعالى و هذا من باب تقديم الخادم على المخدوم ، و فيه دليل على مرافقة بلال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة ، أخبره بذلك ليطيب به قلبه و ينشرح صدره و ليداوم عليه و يُرغب السامعين في مثله 000

قال ابن الملك هذا أمر كوشف به عليه الصلاة و السلام من عالم الغيب في نومه أو يقظته أو بين النوم و اليقظة أو رأى ذلك ليلة المعراج 000

و أهم ما في شرح الحديث بعد ما قيل من جهة العلماء : أن هذا الحديث قد رواه لنا رسول الله في حالة حياة بلال رضي الله عنه في الحياة الدنيا ، بمعنى أن بلال وقت وضوؤه و صلاته هو نفس التوقيت ، توقيت هذا العمل في الملأ الأعلى ، هنا صورة العمل و هناك حقيقة العمل ، إن بلال ليس شخصا واحدا إنما هو اثنان بلال الدنيا و بلال ذلكم الروح التي تتسم بصفات بلال و سمت و عمل بلال ، إنها تلبس رداء عمله ، إنها روح بلال رضي الله عنه 00 و الله أعلى و أعلم ، و هكذا في كل الأعمال الصالحة ، إنها بشرى لكل روح مؤمنة أن تعمل الصالحات و تدوم على فعل الخيرات بل و تستبق الخيرات لتفوز هذه الروح المؤمنة بهذا العلو و هذا السبق و خاصة في زمان غفلة الكثير من الناس ، زمان كثرة الهرج و المرج 000 هكذا تترقى الروح المؤمنة و تصعد و تعرفها الملائكة بل و يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لقد أصبحت صاحبة الدار صاحبة الجنة و القصور ، فهي ليست مجرد زائرة و لا ضيف 00 و الملائكة تتعجب منه و يباهي الله تعالى به الملائكة و لذلك لا تعجب إذا قرأت في كتاب ربك الكريم

قوله تعالى : { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) } غافر

اعداد/ ام هشام

شاهد أيضاً

الطاقه الايجابيه

ـ  تعمل الطاقة الإيجابية و هي الخير في تحصين الإنسان من الانزلاق في الشهوات و …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *