الرئيسية / مقالات / من رسائل الليل أو الزمن

من رسائل الليل أو الزمن

و من رسائل الليل أو الزمن عموما :

أن الخاطر الذي يمر بالقلب و هو حديث النفس

أو حركة الشهوة في الطبع

و نسميه ميل الطبع و الخاطر يأخذ وقت من الزمن و كذلك ميل الطبع و هما لا يدخلان تحت الاختيار و قال عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” عفي عن أمتي ما حدثت به نفوسها”

أما حكم القلب ” الاعتقاد ” بأنه ينبغي أن يفعل و مثاله ” ينظر مثلا إلى امرأة لا تحل له أو لا ينظر ” هذا الاعتقاد تردد بين أن يكون اضطرارا أو اختيارا ، فالاختياري منه يؤاخذ به و الاضطراري لا يؤاخذ به و هذا أيضا من رحمة ربي بعباده فيجب على المسلم أن يعرف قيمة الزمن و ما يؤاخذ عليه و ما لا يؤاخذ عليه ليعلم قيمة القسم بالزمن و يتجنب المعاصي التي تشقيه حتما و لابد 0

ثم نأتي إلى الشيء الأهم و هو الهم بالفعل

والهم همان ، هم خطرات و هم إصرار 0 ” مجموع فتاوى ابن تيمية ”

فانه مؤاخذ به إلا أنه إن لم يفعل و تركه خوفا من الله تعالى و ندما على همه كتبت له حسنة ، لأن همه سيئة و امتناعه و مجاهدته نفسه حسنة و إن عامد الفعل عائق بقدر الله جل جلاله أو تركه بعذر ” كأن مرض فجأة فلم يفعل المعصية ” لا خوفا من الله تعالى كتبت عليه سيئة لان همه فعل من القلب اختياري ” إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي 3 / 41 بتصرف ”

و هذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم : ” قالت الملائكة : رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة و هو أبصر به فقال : ارقبوه فان عملها فاكتبوها له بمثلها و إن تركها فاكتبوها له حسنة ، إنما تركها من جرائي”  مسلم

والقاعدة :-

أن كل هم دخل تحت اختيار العبد فهو مؤاخذ به إلا أن يُكفره بحسنة و نقض العزم بالندم حسنة فلذلك كتبت له حسنة

فأما فوت المراد بعائق فليس بحسنة و أما الخواطر و حديث النفس ، فان هذا لا يدخل تحت الاختيار ،

؛؛ مثال ؛؛

فمن عزم ليلا على أن يصبح ليقتل أنسانا أو يزني بامرأة فمات تلك الليلة مات مُصرا و يُحشر على نيته و قد هم لسيئة و لم يعملها

و هنا نعلم مدى أهمية و خطورة الوقت الذي يعزم فيه القلب و يُصر على فعل ما لا يُرضى رب العالمين 000 و الدليل القاطع قول النبي صلى الله عليه وسلم : ” إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار ” فقيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : ” لأنه أراد قتل صاحبه ” [خ / 6481 ]

فصار الرجل من أهل النار بمجرد النية و الهم 0فليحذر المسلم عذاب و عقاب ربه وقت أن ينوي الشر و يعزم عليه بقلبه { و يحذركم الله نفسه }

كيف لا يؤاخذ بأعمال القلب من الكبر و العجب و الرياء و النفاق و الحسد و غير ذلك فكيف ينجو أصحاب ” الأنا ” ! يقول أحدهم أصل الأنا عندنا عالية جدا !!

و أنا لا أدري ” الأنا ” هذه على ماذا لا غنى و حسب و لا نسب و لا علم و لا شيء ، أنها

” أنا ” الجاهلية و العصبية الحمقاء ، إن ” الأنا ” هذه من تراب و ستؤول إلى تراب و إن لم يتدارك الإنسان نفسه و يزكيها بشرع الله و يتعلم دينه فالويل له

قال تعالى : { و نفس و ما سواها 0 فألهمها فجورها و تقواها 0 قد أفلح من زكاها 0 و قد خاب من دساها }

فكم من ليالي يعزم فيها أناسا يزعمون أنهم مسلمون على قتل الآخرين و تفجيرهم ، و تخريب كذا و حرق كذا و إفساد كذا 00 يعزمون ثم يأتي عليهم النهار فيعملون جرائمهم ، و لا قيمة عندهم لليل أو نهار 00 و لا حرمة لزمن أو لشيء ، و كأن الناس و ما يمتلكون كلأ مباح لهم , نعوذ بالله من شرورهم !! و نسأله سبحانه أن يعاملهم بما يستحقون في كل زمان و مكان ، و من عاونهم وناصرهم و دعا لهم و ساندهم بالنية أو بالقول أو بالفعل ، أرنا فيهم عجائب قدرتك يا قوي يا متين …….   آمين

فليتق الإنسان ربه و ليعرف حرمة زمانه و مكانه و حرمة الآخرين

قال تعالى : { و من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها و غضب الله عليه و لعنه و أعد له عذابا عظيما } [ النساء / 93]

و حري بنا إن نذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” المؤمن من أمنه المسلمون على دمائهم و أموالهم و المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده و المهاجر من هجر ما نهى الله عنه و المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله ” [ صحيح مجموع الفتاوى  ( 266/ 28) ]

و قال صلى الله عليه وسلم : ” من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا و من دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا ” صحيح مجموع الفتاوى ( 132/ 1 )

فليتصور العبد قيمة الوقت في محاضرة ما أنه دعا عباد الله إلى الصلاة و بين لهم أهميتها و أجرها و 000 و كان عددهم كبير او حتى قليل ، فكل إنسان منهم أحب الصلاة واستقام عليها حتى مماته كان في ميزان هذا الداعي إلى الله جل جلاله ، و قال صلى الله عليه وسلم : ” لئن يهدي بك الله رجلا واحدا خير لك من حمر النعم , أنها الحسنات الجارية ليل نهار 000 الدنيا و ما فيها ”

و على العكس من هذا فان الذي يدعو إلى ضلالة له من الوزر ما له على حسب انتشار هذه الضلالة والعمل بها وهي سيئات جارية له ليل نهار تلزمه حيا و ميتا 00

و في ذكر الليل قبل النهار إشارة إلى أن نية المؤمن التي تبيت ليلا خيرا من عمله ، فنية المؤمن أبلغ من عمله ، لأن النية محلها القلب ، و هي عمل سري ، و الليل فيه الأعمال السرية و فيه المناجاة و القيام ، و التقرب إلى الله جل جلاله

و في حديث أبو كبشة الأنصاري بإسناد صحيح 72 / 4

“إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا و علما فهو يتقي فيه ربه و يصل فيه رحمه و يعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل”

و “عبد رزقه الله علما و لم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول لو إن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء”

و “عبد رزقه الله مالا و لم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه و لا يصل فيه رحمه و لا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل”

و “عبد لم يرزقه الله مالا و لا علما فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء”

و في الحديث :” لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ” [ صحيح ( 112 / 3 ) ] صيام الفريضة

إذا النية تسبق العمل وهي سرية  ,فهي أبلغ من العمل و أصدق ، كما أن الليل يسبق النهار في النشأة الأولى فالليل عدة النهار ،

قال تعالى : { و لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة }[ التوبة / 46 ]

 

فالله جل جلاله يحب الليل و ينزل فيه سبحانه نزولا يليق بجلاله ، و يحب السر و يحب العبد التقي الخفي ،

وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه خرج إلى المسجد فوجد معاذا عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي فقال : ما يبكيك ؟ قال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” اليسير من الرياء شرك ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة ، إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإن حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الدجى يخرجون من كل غبراء مظلمة ”  [ صحيح أو حسن ( 148 / 4 ) ]

و في ” حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ” حدثنا حبيب بن الحسن قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثنا محمد بن ميمون قال : ثنا سفيان ، عن أبي حمزة الثمالي قال : كان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به و يقول : إن صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل .

و كان رضي الله عنه يعول ويقوت مائة من أهل بيت المدينة ،

قال جرير في الحديث أومن قبله أنه حين مات و جدوا بظهره آثار مما كان يحمل بالليل 0 كان يحمل جرب الدقيق إلى الناس ، حتى قال أهل المدينة ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين 000

و الأمثلة في حياة السلف كثيرة ولله الحمد , فقد كانوا يحبون السر في كل شيء ، في تلاوة القرآن في القيام في البكاء في محاسبة النفس ، في تفريج كرب الفقراء و المساكين لعلمهم أن الله جل جلاله يحب السر ، فسبحان الملك الستير الذي أخفى ذاته العليا في الحياة الدنيا

قال ابن عباس أو ابن عمر الشك من عبد الله : ” أن الله احتجب من خلقه بأربع : بنور ثم ظلمة ثم نار ثم ظلمة أو بنار ثم ظلمة ثم نور ثم ظلمة ”  له شاهد [ إتحاف الخيرة المهرة / 390 / 7 ]

وأظهر لنا فقط آثار قدرته و عظمة خلقه , و علمه و حكمته ,

حتى أنه عز وجل سمى الصيام ” جُنة ”

و سمى داره ” جنة ”

و أخفى عنا عماله الكرام ” ملائكته ”

و أخفى عنا ” الجان و الشيطان ” رحمة بنا ،

أخفى عنا ” ساعة الموت ” و ” مكان الموت ” كي يستأنف العبد عمله و لا يتوقف أو يخاف خوفا يقعده عن العمل و في هذا الخفاء منتهى الرحمة و الرفق أخفى عنا , نعمة الخفاء 00 الإيمان بالغيب و في نفس الوقت توقيرا لعقولنا و ترغيبا أعطانا ظواهر و شواهد و آثار لهذا الغيب في البحث فيما أذن به الشرع 0

ففي سورة الليل أراد الله جل جلاله أن يشير إلى خفايا حكمة خلق الأشياء ، اذ هناك من النعم ما هي مخفية و من الآبار ما هي مطوية و من الكنوز ما هو أعز و أغلى من الكنوز الذهبية ألا و هي كنوز الآيات القرآنية و السنن النبوية

و هذا من فضل الله تعالى حيث وقر عز وجل العقل البشري وأعطاه الفرصة للبحث العلمي في أسرار هذا العالم فأصبح للباحث صفة أساسية و لعلمه قيمة مادية و معنوية و حتى يكون لكل عبد سمته و بصمته الإيمانية و توقيعه الشخصي الخاص به والذي ينضبط بضوابط الشرع ، هذا الباحث الذي يُسجل له التاريخ جهده في البحث ، ومن قبل تسجل له الملائكة تعبه و نصبه وهذا الباحث هو الذي يعيد بإذن الله روائع هذا الدين و يبرز جماله و بهائه و إعجازه ، و أسراره بعد ما بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم و تركنا على المحجة البيضاء

فمن المعلوم أن البدع و الخرافات والشرك والمعاصي تغطي مساحة كبيرة من عقول الناس , و هنا يأتي دور الباحث و الفقيه الذي يجلي لنا روائع الإسلام مرة أخرى , ويعيد لنا بإذن الله رونقه المبدع 0

لذلك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ” [ صحيح / 149]

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *