الرئيسية / مقالات / من رسائل الليل

من رسائل الليل

و الظلمة ترسم خطواتها في قلب الإنسان

فيكون القلب فارغا من الشر فيوسوس الشيطان إليه و يخطر الذنب بباله فيُصوره لنفسه و يُمنيه

و يُشهيه فيصير شهوة  و يُزينها له و يُحسنها و يُخيلها له ، في خيال تميل نفسه إليه ،حتى تستجيب الإرادة ثم لا يزال يُمثل و يُخيل و يمني و يشهي و يُنسيه علمه بضررها، و يطوي عنه سوء عاقبتها , فيحول بينه و بين مطالعة جُرمه ، فلا يرى إلا صورة المعصية ،والتذاذه بها فقط ، فتصير الإرادة عزيمة حازمة , فيشتد الحرص عليها من القلب ، فيبعث جنوده من أعضاء البدن ” الخدم ” في طلب الأمر المشتهى ، فيبعث الشيطان معهم مدادا لهم وعونا ، فان فتروا حركهم وإن ونوا أزعجهم

قال تعالى : { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا } [مريم/83]

قال تعالى : { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا و لا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء و الفحشاء و أن تقولوا على الله ما لا تعلمون (169) } البقرة

و من ثم فإن إتباع الإنسان للشيطان إذا انضم إلى مسارعة النفس في الاستجابة لكل ما يهواه ، سقط قلبه في ظلمات لا يعلمها إلا الله جل جلاله ، و عندها يصبح القلب بكل ما فيه مختوما لكل أنواع الباطل و الضلال و من ثم يتم الختم على السمع و تقع الغشاوة على البصر لأن القلوب أغلقت و جعلت عليها الأكنة و الران و الطبع و الختم و الغفلة حتى زاغ القلب و أصبح الصدر ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء

قال تعالى : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } [ الأنعام / 125]

قال تعالى : { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ءاذان يسمعون بها فانها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور } [ الحج / 46]

قال تعالى : { أفرايت من اتخذ إلهه هواه و أضله الله على علم و ختم على سمعه و قلبه و جعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون } [ الجاثية / 23]

قال تعالى : { و إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني و قد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم و الله لا يهدي القوم الفاسقين } [ الصف / 5]

لذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : ” يا مُقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ”

” اللهم مُصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ”

” يا مُثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك ”

و روى الترمذي و صححه الألباني رحمه الله تعالى من حديث من حديث شهر بن حوشب قال : قلت لأم سلمة : يا أم المؤمنين ما كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك ؟ قالت : كان أكثر دعائه ” يا مُقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ” فقالت : يا رسول الله ما أكثر دعائك يا مقلب 000 فقال : ” يا أم سلمة انه ليس آدمي إلا و قلبه بين أُصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام و من شاء أزاغ ”

أقامه بفضله و رحمته وازاغه بعدله وحكمته

و هذه المعاني من لطائف سورة الليل حيث أنها تجمع بين المتناقضات الليل و النهار ، يغشى و يتجلى ، الذكر و الأنثى ، أعطى و بخل ، اتقى و استغنى ، صدق وكذب ، اليُسرى ، العُسرى ، يتردى / يتزكى ، هدى ضلال ، الآخرة و الأولى ، جنة  نار ، الأتقى  الأشقى

 رسائل الليل

و كما أن الليل يخفي ضوء النهار كذلك ابتلاءاتكم تخفي ما فيها من منح و عطايا ، فكل عسر معه يسر و كل محنة معها منحة لكنها في حالة خفاء تحتاج إلى حكمة لتكتشفها ، و قد يعيش العبد المنحة و هو لا يشعر بها  لقلة علمه و حكمته،

احبة الليل

ومن رسائل الليل

أنه طائف عل الإنسان ، فيا تُرى ماذا فعل هذا الطواف بقلبه ، ماذا أضاف له ؟ و كم مرة طاف عليه و ما المحصلة من هذا ؟ كم من ليلة مرت عليك ، هل حسبت ساعاته ، هل يشهد لك عماله فالليل له وظائفه و عماله ، له جنوده و حساباته ، الليل جند من جنود الله ، الليل رغم أنه خفي و لونه أسود إلا أنه يظهر اسم الله الخبير الستير اللطيف الرفيق الحيي و غير ذلك 00

ـ  ومن رسائل الليل :

أنه يحمل سجلات الماضي و الحاضر و المستقبل لجميع المخلوقات ففي سجلاته أحداث تاريخية و علمية و ثقافية و دينية و عبادات لأديان سماوية و عبادات لأديان أرضية و أنشطة و معاملات و حقوق و غير ذلك ، فحقائبه مليئة بالذكريات السعيدة و المؤلمة ، حتى أن بعض الجرائم لا تتم إلا ليلا

ـ  ومن رسائل الليل :

” احمي نفسك ” من المعلوم إن سمك طبقات الحماية للحياة الأرضية تقل ليلا عندها يسمح لعدد كبير من الإشعاع الكوني بالنفاد إلى الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض و هي أشعات مهلكة مدمرة لمن يتعرض لها لمدة كافية ، لذلك الليل جعله الله جل جلاله لباسا ، حماية للإنسان ، و كأنه يسربله بكساء أسود لحمايته { و من شر غاسق إذا وقب } فهناك مخاطر في الليل لا يعلمها إلا خالق الليل 0

ـ فما الليل إلا آية من آيات الله تعالى يجب الوقوف عندها مليا لأخذ العبر منها ، و الله جل جلاله ذم الذين يمرون على آيات الله جل جلاله و يغفلون عنها 00 و هذا من نقص إيمانهم و عدم توقيرهم لربهم و تعظيم آياته ، قال تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } ؟!

قال تعالى : { و كأين من آية في السماوات و الأرض   يمرون عليها وهم عنها معرضون } [يوسف /105]

ـ  فالليل يخاطبنا و يحدثنا و يرسل رسالته كل ليلة لعلنا نتذكر أو نخشى

ـ  الليل يحذرنا صفته و لونه السواد ،

ـ  الليل يرغبنا حيث تصطف و تجتمع نجومه و كواكبه و أقماره في سمائه ليذكرنا أن الدنيا جعلت لجمع النور ، لحشد النور في الصدور 0 فالدنيا دار للعمل و تحصيل للرصيد عند الله جل جلاله , قال تعالى : { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين ءامنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب } [ الحديد / 13]

ـ  ثم إن الليل يذكرنا بقوله تعالى : { ألم تر أن الله يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل و سخر الشمس و القمر كل يجري إلى أجل مسمى و أن الله بما تعملون خبير }[ لقمان / 29] ولسان حال المخلوقات ينطق

فإذا كان الليل و النهار يجريان و الشمس و القمر يجريان ، فهل يسمح لكم بالوقوف في أماكنكم دون عمل ، أيها الناس إن لكم آجالا مقدرة و كل ليل و كل نهار يعملان فيكم و يتركان أثرهما عليكم فهل من توبة و أوبة إلى رب العالمين ؟! و ما جرينا إلا لتذكيركم بالآخرة و بانتهاء أعماركم 00  ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له )

// ومن رسائل الليل أيضا //

أن الليل يقول لنا ماذا لو طالت إقامتي بينكم بسوادي و بسكوني و بهيبتي و ظلامي كيف أنتم وقتها، أين لكم بضياء ، أين مصالحكم و أعمالكم و أمور معايشكم ، ماذا كنتم فاعلين يقول لنا هلا شكرتم الله جل جلاله علي ، نشكرك يا رب على آية الليل قال تعالى “قل ارايتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا الى يوم القيامة من اله غير الله ياتيكم بضياء افلا تسمعون ”

ـ ومن رسائل الليل :

أن ندعو الله عز وجل باسمه المقيد ” مقلب القلوب ” كما روى البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال و كانت يمين ” قسم ” النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا و مُقلب القلوب ” خ / 6253

فيا من تُقلب الليل و النهار ، ويا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك 0 والليل مثله مثل بقية  المخلوقات صورته مستمرة لتحقيق العلة و الابتلاء ثم يتغير و يفنى بمشيئة الله تعالى في الآخرة إلى صورة أخرى ومستمرة و لعلة أخرى وهي علة الجزاء

–  ومن رسائل الليل :

أن الله جل جلاله يُذكرك أيها العبد أنك سترحل مثل ما يرحل عنك الليل ، فأنت مملوك لملك عظيم و لست مالك على الحقيقة ، إنما أنت مُستخلف في هذه الأرض قد تملك و قد تسيطر و تهيمن ما دمت تأخذ بأسباب الدنيا و لكن اعلم أنك سترحل عما قريب عن  هذا العالم 00 كما أن الليل يرحل عن دنياك ، تراه يغيب عنك قرب طلوع الفجر 000 و يظل يأتي و يغيب إلى قدر معلوم 00

ـ  ومن رسائل الليل :

أن أعمال العباد مرتبطة بكل جزء من وقت الإنسان مهما كان دقيقا ، فان العمل في هذا الجزء

من الوقت مقدر عند الملائكة بأقل من الذرة و عليه جزاء بالحسنات و السيئات فجزء الوقت الذي يمكن أن يُجازى عليه الإنسان بالخير و الشر العمل فيه مقسم إلى حركات و سكنات يتكون من مجموعها فعل الإنسان ، و كل حركة أو سكنة عليها ثواب أو عقاب سواء كانت حركة في داخله بفعل الإرادة و غيرها من أعمال القلوب أو حركة ظاهرة في البدن من الخارج

قال تعالى : { ما كان لأهل المدينة و من حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة في سبيل الله و لا يطئون موطئا يغيظ الكفار و لا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع عمل المحسنين (120) و لا ينفقون نفقة صغيرة و لا كبيرة و لا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121) } التوبة

قال تعالى : { و كل صغير و كبير مستطر } [ القمر / 53]

–  ومن رسائل الليل :

أن الليل يسدل ستوره على الكون لمدة محددة ، و المؤمن يعيش تحت هذه الجُنة و كأنها جزء من جنة ، فهي مستراحه من ضوضاء النهار و ثرثرة و غوغائية بعض الناس ، فالليل له خصوصية أكثر من النهار ، و له عمله الخاص وهو كهف الإيمان

و الليل بمثابة جائزة المؤمن جائزة اليوم ، فيه تستفيق العاطفة و ينشرح الصدر بكثرة ذكر الله تعالى ، فيه يفرح المؤمن و يرتاح و الليل ثمرة النهار و هديته ، إن أحسن المؤمن في نهاره ، فالليل جنة  تخفيه عن أعين الناس ، فهو مستراح العابدين ” من خاف أدلج و من أدلج بلغ المنزل ” و المنزل هو الجنة فالليل يسربل نصف الكرة الأرضية بسواده و كتمانه ، فالليل بيت الأسرار و الخبايا ، فكل مؤمن له خبيئة مع الله جل جلاله في الليل ،

–  ومن رسائل الليل :

أن الله تعالى خالق الإنسان يعلم أنه يمل بسرعة و يسأم الرتابة و يحب التغيير, لذلك يقلب الله جل جلاله الليل و النهار ، كما يتقلب قلبه بين منازل العبودية لله عز وجل  وكما انه ينوع له الطاعات ، يسأم الضوضاء ، فيمُن عليه بالسكينة و الهدوء يسأم العمل و التعب ، فيُعطيه الراحة و السكون ، يسأم النهار فيمُن عليه بالليل ، حتى أنه يأمره بالنوم في شدة الظلام فلا سبيل لإفراز هرمون السعادة إلا في ظلمة الليل ، فالإنسان ملول يمل من استدامة الحالة ، لذلك يغير له الله تعالى أحوال الكون حر برد ليل نهار مطر رياح نسيم عواصف برق رعد سحاب صحو غيوم ، قمر ، شمس ، نجوم ، صيف شتاء ربيع خريف و هكذا حتى إن الله جل جلاله عدد و نوع العبادات للمسلم ما بين صلاة و صيام و زكاة و حج و عبادات قلبية متنوعة 000 وكذلك الحال فى الجنة

ـ ومن رسائل الليل :

أن الله عز وجل يعطينا بالليل رسالة في كيفية النظام و الضبط ، فالليل و النهار آياتان كونيتان عظيمتان من آيات الله جل جلاله في الخلق تشهدان بدقة بناء الكون و انتظام حركة كل جُرم فيه و إحكام السنن الضابطة له ، حركات الأرض و الشمس ، التبادل المنتظم بجلاء في الفصول المناخية ، الشهور و السنين ، تعاقب الليل و النهار ، هذا التبادل بين الليل و النهار و الحر و البرد و الصيف و الشتاء ضرورة من ضروريات الحياة ، هذا التبادل بين الظلام و النور ينتج عنه التحكم في درجات الحرارة و كمية الضوء اللازمة ، للتنفس و التمثيل الضوئي و هو هام لدورة المياه بين الأرض و السماء أيضا لضبط حركات الأمواج و التيارات المختلفة في  البحار و المحيطات و من أهمها عملية المد و الجزر و تصريف الرياح و تسخير السحاب و إنزال المطر و تفتيت الصخور و تكوين التربة الصالحة و غير الصالحة ، و ترسب الصخور و التي تحوي ماء و نفط و غاز و ثروات أرضية و هكذا ، فكيف بنظام برنامج حياة البشر على هذا الكوكب أم أن الإنسان يعيش حالة من الفوضى و الهرج و المرج و اللامبالاة و العبث ؟!

هلا تعلمنا من رسائل الليل ؟! إنها رسائل قديمة و منذ ملايين السنين و جديدة أيضا لكل جيل و حتى قيام الساعة !

و من هنا نعلم أهمية القسم بالليل 0 و ما يوضع من الأجر على الأعمال الصالحة ينميه الله عز وجل لأصحابه ، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة قال تعالى : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة و الله يضاعف لمن يشاء و الله واسع عليم }[ البقرة / 261]

و كذلك فان عُشر الثانية من الوقت قد يقع فيه عمل آخر له أجر كبير ، و أكبر مما هو محدد في حديث ابن مسعود رضي الله عنه : ” من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة ، و الحسنة بعشر أمثالها لا أقول ” الم ” حرف و لكن ” ألف ” حرف و ” لام ” حرف و ” ميم ” حرف ”  (صحيح الترغيب / 1416 )

ـ  و تأمل قيمة الوقت و نفاسته حتى تعلم قيمة القسم بالزمن بالليل أو بالنهار 0

روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : ” أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ؟ ” فشق ذلك عليهم و قالوا : أينا يطيق ذلك يا رسول الله ؟ فقال : ” الله الأحد الصمد ثلث القرآن ” [ خ 4 / 1916 (4727 ) ]

سبحان الله سورة تأخذ عشر ثوان في تلاوتها يأخذ عليها القارئ أجر يعدل ثلث القرآن فلو قسمنا ذلك الأجر على زمن القراءة لكان نصيب الثانية الواحدة من الحسنات ما لا يحصيه إلا الله عز وجل و هذا يعني أن كل حركة من الفم أو سكنة في مخارج الحروف لإتمام سورة الإخلاص عليها ثواب مقدور و محسوس

و تأمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ” تبسمك في وجه أخيك صدقة ” كم تكلفك الابتسامة و كم تأخذ من الوقت و كم لها من الأجر

” سبحان الله و بحمده عدد خلقه و رضا نفسه 000 ” ثلاثا

عن جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهم سبحان الله و بحمده عدد 000 ” مسلم

كم تأخذ هذه و الأمثلة في الأقوال و الأفعال في هذا الصدد كثيرة و الحمد لله فتأملوا قيمة الوقت و عظمة القسم

و لنا أن نتصور مدى السرعة التي يتم بها الحساب ووضع الجزاء على جزيئات العمل في دقة  لا مثيل لها و لا عجب فان الله جل جلاله هو أسرع الحاسبين و خالق الكرام الكاتبين 0

قال تعالى : { ليجزي الله كل نفس بما كسبت إن الله سريع الحساب }[ إبراهيم / 51]

هذا فيما يتعلق بجزء من الوقت ! فكيف بعمر الإنسان كله بل كيف بأعمال و سكنات و حركات و أقوال كل البشرية ؟!

ومن رسائل الليل ” احذروا السيئات “

قال تعالى : { و الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها و ترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم  كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }[يونس/27]

فعلامة أصحاب النار الذين يخلدون فيها سواد وجوههم ذلك الوجه الذي ما سجد لله تعالى غشيته ذلة الكفر ، سودته ، قبحته و شوهته و كأن وجهه عياذا بالله قطعا من الليل مظلما أنها مشاهد الكآبة و الكسوف و الغبار و الهوان ، فليل المؤمن غير ليل الكافر الذي ألبسه الله جل جلاله رداء عمله فكساه سوادا من سواد أعماله

ـ ومن رسائل الليل :

إن الليل يخيم على المكان المحدد له يوميا كضيف يمكث عدة ساعات ونراه يدخل بأدب جم ، لا يدخل علينا فجأة رحمة بنا ، بل تسلل برفق يشق ضوء النهار تدريجيا . ومن آداب الاسلام أن نكرم الضيف ” من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه ” وجب علينا أن نكرمه بطاعتنا لله عز وجل 0 أن نسجل في سجل زيارته لنا و كل ليلة أسمى آيات الشكر و الامتنان لله عز وجل

و الرسالة واضحة و كأنها تقول لنا أنا الليل وكما أنني أهيئ نفسي لكم و لا أباغتكم بظلامي و سوادي أنتم أيضا تهيئوا و عليكم بالسكينة إذا حضرت الصلاة فأنا بقدومي أعلن لكم عن موعد آذان المغرب ، تهيئوا و لا تتعدوا الرقاب وخذوا زينتكم عند كل مسجد كما أتزين لكم بنجومي و كواكبي و قمري و بالشفق الأحمر ، أنها رسالة الرقة و الجمال 00 هيئ عقلك و فكرك و قلبك لاستقبال ساعات الليل 0

ومن رسائل الليل ” احذروا غاشية الفتن “

ففي حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” يكون في آخرالزمان فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا و يمسي كافرا و يمسي مؤمنا و يصبح كافرا ” مرفوع برقم / 79

و في حديث المقدام بن معد يكرب الكندي كما في سنن أبي داود : ” ألا إني أوتيت الكتاب و مثله معه ، لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم هذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه و ما وجدتم فيه من حرام فحرموه 00 ”

و ما أكثر أصحاب التخمة البدنية و الفكرية : مُفكر إسلامي ! إسلام سياسي !

و من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” تأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب و يكذب فيها الصادق و يؤتمن فيها الخائن و يخون فيها الأمين و ينطق الرويبضة ” قيل يا رسول الله و ما الرويـبضـة ؟ قال : ” الرجل التافه يتكلم في أمر العامة ” صحيح 5 / 659

و ما أكثر التافهين والتافهات في هذا الزمان ، ثم أليست هذه السنوات يأتي عليها الليل ، فلنحذر هذا الخداع ! و لنحذر الفاسق السفيه

و في صحيح مسلم من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن رب العزة : ” يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ” [ م / 2577 ]

ـ ومن رسائل الليل :

أنه شاهد على أقوال و أفعال العباد أنها حتمية الحساب و الجزاء على كل ما تم في دار الابتلاء تحقيقا لحكمة الله جل جلاله في خلقه لسائر الأشياء 0

قال تعالى : { ووُضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه و يقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربك أحدا } [الكهف / 49 ]

فالليل كزمن يشهد بما فعل الإنسان على ظهر الأرض من خير وشر ، فالزمن من جملة الشهود الذين يشهدون على العباد بأعمالهم 0 إذا الملائكة تدون زمان الفعل بأدق ما يمكن فما يتعذر علينا تصوره في فعل الإنسان و كذلك تسجل في بيانات العقل و حسابه حدود المكان و آثار الإنسان قال تعالى : { إنا نحن نحي الموتى و نكتب ما قدموا و ءاثارهم و كل شيء أحصيناه في امام مبين} [ يس / 11]

و كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه : ” 000 يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم ” [ مسلم 1 / 462 (655 ) ]

فالأجر يُكتب مثقاله بالذرات و بالجزء من الثانية !

ـ و من فضل الله تعالى :

أن الإنسان إذا حبس عن فعل الخير بعذر شرعي يكتب له الله جل جلاله الكريم الجواد الأجر كاملا ” إنما الأعمال بالنيات ”

روى البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال : ” إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا و لا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ” قالوا يا رسول الله و هم بالمدينة ؟ قال : ” و هم بالمدينة حبسهم العذر ”

[ خ (161) م (1911) ]

بالطبع نعم 00 فزمن الغزوة التي خاضها المسلمون محسوب بالثانية هذا الوقت محسوب أجره لمن حبسه العذر هل عرفنا قيمة الزمن و قيمة القسم بالليل أو بالنهار ؟ و رحمة الله جل جلاله الرحيم بعباده فالجزاء إذا يكون على عمل الجوارح المبني على عمل القلب ونيته و ارادته و يكون كل هذا في جزء من ليل أو نهار.

قال تعالى : { و هو الذي يتوفاكم بالليل و يعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون }[ الأنعام / 60]

ـ ومن رسائل الليل – :

أن ميزان العدل يقتضي أن يستوي العمل مع الأجر

و ميزان الفضل أن يزيد الأجر على العمل و على هذين المعنيين قامت السماوات و الأرض و حاسب الله جل جلاله العباد يوم العرض 0 قال تعالى : { قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } [ يونس / 58]

و الله جل جلاله العليم تفضل بكرمه على هذه الأمة بليلة القدر و بشهر رمضان و بيوم الجمعة و يوم عرفة و عاشوراء و ليالي منى و ليلم المبيت في مزدلفة و غير ذلك من المواسم الإيمانية نظرا لقصر أعمار هذه الأمة ، فيضاعف الله تعالى الأجور في هذه الأزمنة و غيرها 000 و هذا من بره بعباده سبحانه و تعالى ،

قال صلى الله عليه وسلم : ” من صام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ”

قال صلى الله عليه وسلم : ” من قام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ”

عن أوس ابن اوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” من غسل يوم الجمعة و اغتسل ثم بكر و ابتكر و مشى و لم يركب و دنا من الإمام فاستمع و لم يلغ ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها و قيامها ” [ حسن  2 / 570 ]

و من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة ” فقال رجل يا رسول الله هي أفضل أم عدتهن جهادا في سبيل الله ؟ قال : ” هن أفضل عدتهن جهادا في سبيل الله و ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله تبارك و تعالى إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول انظروا إلى عبادي جاءوني شعثا غبرا ضاحين جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي و لم يروا عذابي فلم ير يوم أكثر عتقا من النار من يوم عرفة ” [ صحيح أو حسن  2 / 192 ]

أي زمان هذا الذي يتشرف بنزول رب العزة إلى السماء الدنيا سواء عشية عرفة أو وقت السحر من كل ليلة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ينزل ربنا تبارك و تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ”

و في الحديث :

” إذا كان أول ليلة من شهر رمضان فتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب واحد الشهر كله و غلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب واحد الشهر كله و غلت عتاة الجن و نادى مناد من السماء كل ليلة إلى انفجار الصبح يا باغي الخير تمم و أبشر و يا باغي الشر أقصر و أبصر هل من مُستغفر يغفر له هل من تائب يُتاب عليه هل من داع يُستجاب له هل من سائل يُعطى سؤله و لله عز وجل عند كل فطر من شهر رمضان كل ليلة عتقاء من النار ، ستون ألفا فإذا كان يوم الفطر ـ آخر ليلة من رمضان ـ أعتق الله مثل ما أعتق في جميع الشهر ثلاثين مرة ستين ألفا ”  [الزواجر /  صحيح أو حسن 1 / 198 ]

فيا لها من ليالي و يا له من شرف و يا له من أجر 00 أي زمان هذا ؟ و أي ليالي هذه ؟ هل عرفنا هل علمنا و أيقنا شرف الزمان ، و لماذا اقسم الله جل جلاله به ؟

روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس و أبي حبة الأنصاري رضي الله عنهما كانا يقولان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليلة المعراج : ” ثم عرج بي حتى صرت لمستوى أسمع  صريف الأقلام حيث فرض الله على نبيه خمسين صلاة ثم صارت خمسا في الفعل و خمسين في الأجر ”

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *