الرئيسية / مقالات / من هم الربانيون

من هم الربانيون

اخوتاه //

لقد اصطفى الله تعالى عبادا من عباده هداهم وعلمهم و أفهمهم و بصرهم وفقههم في دينهم ,

و جعلهم أئمة يهدون بإذنه عز وجل و هذا ضمن معنى قوله تعالى : { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى } هذا واقع بفضل الله في الدنيا ، و لذلك المؤمن يفرح بهذا الهدى فرحا شديدا و يزداد عمله و حرصه على وقته و تعلو همته ,

قال تعالى : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) } يونس

أود أن أقول لكم أحبتي في الله //

أن الآخرة للمؤمن تقع بين أولتين ، الأولى بمعنى أن المؤمن في بداية حياته قد تكون هناك فترة من الزمن في غفلة, ثم تأتي فترة ثانية أخرى من حياته يتعلم و يتفقه في دينه وهذه هي الأولى الثانية التي في الآية فالأولى قبل معاينة الآخرة بالقلب شيء , والأولى بعد  معاينة الآخرة بالقلب شيء آخر و لذلك قال تعالى :{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (9) } الزمر

فأهل العلم هم أهل المعاينة و البصيرة

و لذلك أخر الله تعالى الأولى في الآية هذا معنى مستنبط غير المعنى الأصلي أن الله تعالى يريد الآخرة و يحبها فلذلك قدمها على الأولى 000 و أن الأولى تابعة للآخرة ، ليست هي الأصل ، إنما هي فرع من الأصل 0

فالأولى في الآية ليست أولى الجاهلية إنما هي ” الأولى ” للذين تعلموا العلم و تصدروا لتعليم الناس كالدعاة إلى الله ،

&  تحذير  &

و لذلك الآية تحمل ضمنا تحذير لأهل العلم الذين ينتسبون للعلم 0 بأن الله تعالى قد علمهم و نورهم ، فلا تزل أقدامهم إلى مستنقعات الردى مثل بعض  عوام الناس ، عليهم أن يحفظوا آنية قلوبهم ، محل العلم عن الدنيا,  قال تعالى :{ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) } البقرة

قال تعالى : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُون(79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (80) } آل عمران

كيف يجرأ أن يقول : { كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ } ؟! بعد أن هداه الله تعالى إلى العلم ، و لكن الحقيقة تقول أنه تعلم ليشار اليه بالبنان ، ليقال أنه عالم ليقال أنه مصحف ذو قدمين ، ليقال أستاذ دكتور ، أو ليجتمع حوله آلاف الناس ، أو ليجمع شهرة و مال و عقارات و سيارات و ربما جاها و منصبا أو كرسيا للحكم ! فالله تعالى يستنكر عليه قُبح قوله و فعله و معنى الآية الكريمة يقول كان المفروض عليك أن تقول لنفسك : { وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ  (79) } آل عمران

 **  الربانيون  **

و الخطاب على وجه العموم يخص كل بني آدم الذين علمهم الله تعالى وأفهمهم , فلا يجتمع لرجل ولاية و لا إمامة مع القول للناس { كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ } ،

” تقديس الشيخ “ و أنه معصوم و لا يخطئ ! تراه

يدعو الناس إلى عبادة نفسه من دون الله تعالى ، و إن كانت الآية ترد على نصارى ” نجران ” الذين زعموا أن عيسى عليه السلام أمرهم أن يتخذوه ربا  , وكذا الحال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فتولى الله سبحانه وتعالى الرد على مثل هذه الدعاوى المغرضة و المكذوبة 00

قال تعالى { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ  وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُون }
والمعنى أنه لا يجتمع لرجل نبوة مع القول للناس كونوا عبادا لي من دون الله تعالى . و كيف يدعو الناس إلى عبادة نفسه من دون الله تعالى و قد أتاه من الكتاب والحكم و النبوة , و ذلك أن الأنبياء موصوفون بصفات لا يحصل معها ادعاء الإلهية والربوبية ، لأن الله تعالى أتاهم الكتب السماوية , ولا يكون هذا إلا بعد كمال العلم البشري بالله ، و هذا يمنع هذه الدعوى و كذلك الحال مع أتباع الأنبياء و الرسل و كل من تصدر للعلم الشرعي ، أن ينأى بنفسه عن رؤية نفسه و ينسب الفضل لله تعالى ويتضرع إليه حتى يزيده من فضله , قال عز وجل على لسان سليمان :

{ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) } النمل

فكل عطاء من الله تعالى هو على سبيل الابتلاء لينظر ماذا سيفعل العبد ؟! فعلى العبد أن ينأى بنفسه عن رؤية نفسه ، أو أن يسمح للآخرين أن يقدسوه و يلمعوه و يحملونه فوق الأعناق و الرؤوس و كأنه السيد المطاع و كأنه أمة في ذاته !

أخباره تصدق و أوامره تنفذ !

و كأنه مصدر من مصادر التشريع ، معصوم و له ولاية كافة المسلمين و هو وصي عليهم !

**  الرباني **

قال ابن عباس رضي الله عنه في معنى الرباني : أي كونوا فقهاء علماء معلمين حكماء ،

و الرباني هو الذي ربى الناس بصغار العلم و كباره

و قيل الرباني هو الذي يعمل بعلمه

و قيل العالم بالحلال و الحرام و الأمر و النهي

و قيل هو الذي جمع بين علم البصيرة و العلم بسياسة الناس ” قيادتهم ” 0

و لما مات ابن عباس حبر الأمة قال محمد ابن الحنفية : اليوم مات رباني هذه الأمة

قال سيبويه : الرباني المنسوب إلى الرب بمعنى كونه عالما به ومواظبا على طاعته

و قال المبرد : هم أرباب العلم والرباني مأخوذ من التربية “و فيه تكليف وتشريف وخصوصية ”

و قيل الربانيون هم ولاة الأمر و العلماء وهما القرينان اللذان يُطاعان 0

إذا العلم و التعليم و الدراسة و البحث و الاجتهاد و الاستنباط و تحرير المسائل وتحري الغث من السمين يوجب سعيه ،

قال تعالى :  { ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) } يوسف

فالله تعالى يملك الآخرة و الأولى ، و هل بعد مُلك العلم و الحكمة في الدنيا من مُلك ؟

قال تعالى :  { فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (165) } الكهف 

قال تعالى : { رَبِّ قَدْ آتَيْتنِي مِنَ الْمُلْك وَعَلَّمْتنِي مِنْ تَأْوِيل الْأَحَادِيث فَاطِرَ السَّمَوَات وَالْأَرْض أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ   (101) } يوسف

وعن أبي ذر – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، وبكيتم كثيرا ، وما تلذذتم بالنساء على الفرشات ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ”  ، قال أبو ذر : يا ليتني كنت شجرة تعضد .

[ رواه أحمد ،  والترمذي، وابن ماجه ] 

قال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ (83) } النساء

قال تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ  (15) }النمل

قال تعالى : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ 000 (79) الأنبياء

قال تعالى :  { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا  (114) } طه

قال تعالى : { قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّإلَيْكَ طَرْفُكَ  (40) } النمل

خدعوك فقالوا 000 !

خدعوك فقالوا إن العلم بكثرة الرواية ، و ما علموا أن الرواية تحتاج إلى دراية .

اخوتاه //

فالعلم  ليس حفظ القرءان أو كتب الصحاح أو مجرد حفظ ضوابط ومتون و منظومات و بيقونات وأشعار و حكم و قصص و مواعظ و غير ذلك لا ، إنما المقصود من العلم ما استقر من نوره في القلب ، لأن العلم نور يقذفه الله تعالى في قلب المسلم 00

ثم هو يعمل بهذا العلم و يكون نورا يمشي به في الناس , هذا الذي أتاه الله تعالى العلم النافع لذلك استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع ، فلان عنده علم نعم , لكن لا ينفعه بل يزج به إلى النار عياذا بالله !

فيأبى الله تعالى أن يقذف نوره في قلب ملئ بالشهوات و الشبهات فلا تجتمع الظلمات مع النور

فالعلم الرباني أفضل عطاء يؤتيه الله عز وجل للعبد ، و لذلك أوجب على العبد المزيد منه

قال تعالى { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا  } فالزيادة لا تطلب إلا في العلم 0

تأمل علم عمر رضي الله عنه الملهم 000” يا سارية الجبل “

هذا الأثر صحيح عن عمر رضي الله عنه ، ولفظه : أن عمر رضي الله عنه ، بعث سرية فاستعمل عليهم رجلا يدعى سارية ، قال : فبينا عمر يخطب الناس يوما قال : فجعل يصيح وهو على المنبر : يا سارية الجبل ، يا سارية الجبل ، قال فقدم رسول الجيش ، فسأله فقال : يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمنا ، فإذا بصائح يصيح : يا سارية الجبل ، فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله.

[ رواه أحمد في ( فضائل الصحابة ) ، وأبو نعيم في ( دلائل النبوة ) والضياء في ( المنتقى من مسموعاته ) وابن عساكر في ( تاريخه ) والبيهقي في ( دلائل النبوة ) وابن حجر في

( الإصابة ) وحسن إسناده ، ومن قبله ابن كثير في ( تاريخه ) قال : إسناد جيد حسن ، والهيثمي في ( الصواعق المحرقة ) حسن إسناده أيضا. ]

وهذا إلهام من الله سبحانه، وكرامة لعمر رضي الله عنه، وهو المحدث الملهم، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
 و في رواية ” يا سارية الجبل “
ترتبط هذه الحادثة أو القصة بشخصيتين من شخصيات المسلمين الأوائل وهما :
ـ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب العدوي القرشي ، أبو حفص ، ثاني الخلفاء الراشدين ، وسراج أهل الجنة.
ـ سارية بن زُنَيم بن عبدالله الدؤلي ، أحد فرسان الإسلام ، وقائد جيوش المسلمين في فتوحات فارس سنة 23هـ.
وملخص الحادثة : كما رواها أسلم ويعقوب ونافع مولى ابن عمر :
أن سارية بن زنيم ، كان يقاتل المشركين على أبواب نهاوند في بلاد الفرس ، وقد كثرت عليه الأعداء ، و في نفس اليوم كان عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ، فإذا بعمر رضي الله عنه ينادي بأعلى صوته في أثناء خطبته : يا سارية الجبل ، يا سارية الجبل ، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم.
فالتفت الناس وقالوا لعمر بن الخطاب : ما هذا الكلام ؟! فقال : والله ما ألقيت له بالاً، شيء أُتي به على لساني.
ثم قالوا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان حاضراً : ما هذا الذي يقوله أمير المؤمنين ؟ وأين سارية منّا الآن ؟!
فقال : ويحكم ! دعوا عمر فإنه ما دخل في أمر إلا خرج منه.
ثم ما لبث أن تبين الحال فيما بعد : حيث قدم سارية على عمر رضي الله عنه في المدينة فقال : يا أمير المؤمنين كنا محاصري العدو ، وكنا نقيم الأيام ، لا يخرج علينا منهم أحد ، نحن في منخفض من الأرض وهم في حصن عال ( جبل ) فسمعت صائحاً ينادي : يا سارية بن زنيم الجبل ، فعلوتُ بأصحابي الجبل ، فما كانت إلا ساعة حتى فتح الله علينا.

وهذه الحادثة دلالة واضحة على عناية الله تعالى بعباده المؤمنين المجاهدين ، وعلى إكرامه للخليفة الراشد العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

و تأمل موافقات عمر لكثير مما نزل من القرءان و السُنة 

و قد يقول قائل إن هؤلاء الوعاظ أو أصحاب الحكاوي يقولون لنا من القرءان و السُنة فكيف تتقولون عليهم ؟!

أقول : نعم هم يسردون الآيات و الأحاديث و لكن هل كل من قرأ و تلا الآيات فهم ما يقول ؟ و هل كل من فهم استنبط جواهر العلم و الحكمة ؟ و هل كل من تكلم بالدعوة عنده أساليب تربوية سليمة قائمة على الكتاب و السُنة يستطيع من خلالها البلاغ للناس ؟!

أقول اخوتاه :

فرق بين القراءة و بين التدبر و الفهم ، فليس معنى  {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } أي مجرد الحفظ أو القراءة ، لا إنما المعنى الفهم و التدبر و التأمل في حكم الله تعالى و آياته 0

أعطيكم مثال لما أقصد قول الله تعالى :{ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)}  البقرة    اجارنا الله واياكم منها      

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

بناء النفس !! كيف يكون

بناء النفس !! كيف يكون بناء النفس بناء يصل إلى عنان السماء ، بناء لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *