الرئيسية / مقالات / نجـــــاة .. ورؤية اخرى

نجـــــاة .. ورؤية اخرى

نجـــــاة .. ورؤية اخرى

وفرق بين أن يتكلم العبد عن الحدث و هو في الدنيا و بين أن يتكلم عنه و هو في الجنة ، بعد ما عاين النعيم وعاش الراحة و الأمان ، فرؤيته لأحداث الدنيا بعين الجنة غير نظرته لها وهو في الدنيا ، فالكلام مختلف و السمع مختلف , والطعم مختلف و الصوت مختلف , والقلب مختلف الآن هو يحكي ولكن حديثه مفعم بالدهشة  , كيف وقاه الله تعالى كل هذه المخاطر و الأحزان ، الآن كشف الحجاب و رأوا مدى بُطئ الطريق و بُعد السفر و كيف أن الجنة حُفت بالمكاره .. كيف نجاهم سبحانه من كلاليب و عقارب و حيات النار ، كيف طوى لهم الزمان و المكان ن لدرجة أنه يقول لولده أو لصاحبه هل رأيت “فلان ” الذي كان مثل الحَمل الوديع هو الآن في النار خنزير أو كلب أو نِمر !

حتى أنه يتحدث على مستوى البلاد ، يقول أرأيت من كانوا يعبدون ” بوذا ” ؟ هل تريد أن تراهم الآن ، تريد أن ترى عُباد البقر أو عُباد الشيطان ، هل تريد أن ترى من كانوا يعبدون الفئران .

إنه حديث الفائز المنتصر على نفسه ، على شيطانه على قرينه على هواه على الدنيا ، إنه حديث الفرِح بربه عز وجل ، الرب الذي أنعم عليهم و وقاهم ،

ثم إن الآية تصف لنا الحالة الجماعية لهم و المشتركين فيها حالة ” الاشفاق ” فالمتقي و المؤمن لا يفزع أبدا, لأن مِنة الله تعالى عليه سابقة له و مستمرة حسب الأحداث التي تمر به فكل ابتلاء يصيبه و يصبر عليه و يحتسب  , يأخذ أجر الصبر على الابتلاء , وأجر الابتلاء لذلك قال تعالى ” و وقاهم ” ” و وقانا ” لم يقل فوقاهم ، فوقانا لأن الفاء للتعقيب و السرعة , و الله تعالى يريد أن يعطيهم الأجر مضاعف  , تصور مريض يمرض ساعة ثم يشفى , هل مثله مثل مريض صبر على المرض مثلا سَنة أو عشرين سَنة .. نسأل الله تعالى العافية ، لا الأمر يختلف ، فالله تعالى هو الذي يطبب عباده حسب علمه و حكمته فيهم ، فمنهم من يصبر و منهم من لا يصبر و منهم من يصبر و يرضى و يشكر ، و منهم و منهم 000

(((  وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)  )))

و كأني أسمع أحدهم و هو يتحدث مع ولده , و قبل أن أنقل لكم بعض ما قالوه أود أن ألفت الانتباه أنهم جماعات جماعات على سُررهم , التي مثل الأرائك  , وكل مجموعة من الآباء تتحدث مع أولادها أجيال وراء أجيال , والآن يتحدثون وهم يأكلون و يشربون و يتناولون الكأس و إن اشتهوا شيء جاء به الغلمان , وقريبا منهم مجتمع نسائي رائع يجمع الحور العين مع نساء الجنة من أهل الدنيا , وغلمانهن أيضا يأكلن و يشربن و يتناولن الكؤوس و في خدمتهن غلمانهن 000 يمرحن و يضحكن و يتبادلن أطراف الحديث ، و يطول بهن المجلس و يسهرن و يمتد السهر فلا تعب و لا نصب و لا نوم ، و لا اجهاد إنها الجنة ، يجلسن حلقات حلقات على أسرتهن في بالغ السعادة ، و أحيانا ينتقلن مع أزواجهن و أولادهن ، يتجولون في الجنة هنا وهناك مع النسوة و هكذا ، إنه حديث الكبار ، بدأت الأحاديث و تعاود الذاكرة نشاطها من جديد و بقوة ، فذاكرتهم اليوم حديد ، و فرق بين أن يجلس الإنسان يروي ما حدث له لأصدقائه و هو في هم وغم الدنيا  , و بين أن يجلس في الجنة مستريحا مُنعما مطمئنا ، آمنا على نفسه و أولاده و قد نجاه الله تعالى و أحبابه و آتاه من كل ما يشتهي و كرمه و فرحه ، و في وسط هذا إذ هو يتحدث مع أحبابه و يتذكر الدنيا

و ماحدث فرق بين حديث الدنيا و حديث الجنة ..

و ها أنا أستمع لأحد الحوارات بين أب و أولاده و أحفاده و هم جميعا في سن واحدة ” 33 سنة ”  فالآباء  يبدؤون الحديث و يتساءلون ، يسألون أولادهم عما حدث بعد مفارقتهم الدنيا , فالأب هنا يسأل ولده أو أولاده ماذا فعلت و ماذا فعلتم يا أولادي بعدنا ، كيف فعلت بكم الدنيا ، و كيف قاومتم الفتن التي كانت تحيط بكم ، كانت الدنيا وقتنا صعبة فبالتأكيد صارت أصعب أيامكم ، كيف نجاكم الله تعالى و كيف ربيتم أولادكم ، ماذا حصل في البلد كيف حافظتم على دينكم و عقيدتكم و هل كان لكم أعوان في الخير ؟؟ ،

ماذا فعل العراق و سوريا و ليبيا و اليمن بعدنا لقد كان أمرهم صعب ، ماذا فعلوا ، و هكذا أسئلة و كل سؤال له اجابات و أحوال و مشاهد بالصوت و الصورة ، تُعرض الآن أمامهم الصور ، صور الدنيا وقتها ، و كأنهم في الدنيا ، سبحانه قادر على كل شيء يريهم الآن مشاهد ما رأوها ، قد حدثت بعد رحيلهم عن الدنيا ، أسئلة لم يذكرها القرءان ، تركها لنا القرءان , كل يسأل عما يريد و وقت ما يريد ، الله تعالى يترك مساحة لعقولنا لكي تذكر و تتذكر و تسأل بحرية ، لكن ماذا قال الأولاد ردا على هذه الأسئلة ، { قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28( } الطور

حديث الذريه عن حالهم في الدنيا .

هكذا قال الأولاد أنهم كانوا في الدنيا على وجل , وكانوا دائما يسألون الله تعالى السلامة

و النجاة,  كنا على خطر وكنا منزعجين قلقين ، خائفين , ونحن بين أهلنا و بلدنا و جيراننا ، و أقاربنا ، و لكن ما حفظنا إلا إيماننا بربنا ، فالإيمان قوى قلوبنا ، والإيمان هو الذي جمعنا بكم اليوم ، كنا نقتفي آثاركم وفق ما علمتمونا من أمور ديننا و دنيانا ، و لفظ ” مشفقين ” يبين لنا مدى مشاعر هؤلاء المؤمنين ، فلقد كانوا كورقة الشجر العالية و التي تؤثر فيها أي نسمة و أي ذرة مطر 000 إذا الإشفاق من علامات الإيمان ، كانت مشاعرهم عالية كالعصفور الذي بين السماء و الأرض , أو كالذي يجلس على حافة قمة الجبل و يخشى السقوط و هذا يبين لنا أن المؤمن مهما بلغ إيمانه فإنه مشفق ، يخاف المجهول ، يخاف حتى يضع قدميه في الجنة , كانوا يخافون من شرور أنفسهم ” كل ابن آدم خطاء و خير الخطاءين التوابون ” ..

يخافون المجهول  , كانوا يحملون هم الآخرة وهموم الطريق إلى الله تعالى ، كانوا يشعرون دائما بالتقصير و يبحثون دائما عن عمل صالح ..

** تذُكر الماضي في الجنة **

اليوم يسترجعون مخزون عقولهم الذي كان في اللاشعور و بسهولة  , فلا أحمال و لا أثقال بل نعيم وراحة و أمن و أمان , فهم يتذكرون حتى الأحداث المؤلمة  , ولكن لا تؤثر فيهم لأنهم نجوا و دخلوا الجنة وكأن صاحب الجنة يملك الماضي ، له أجندة  ولكنها ” أجندة شرف ” فهي مُشرفة ، أما لو سألت عن الحاضر والمستقبل في الجنة , فالجنة متجددة دائما و ليست الحياة فيها روتينية مثل الدنيا , إنما كل دقيقة فيها جديد وجمالها متغاير و متفاوت و فيها الرحلات و السفر و المفاجآت , فلا يستطيع صاحب الجنة بالتنبؤ بالحاضر أو المستقبل ، هذا قانون ، نعم عنده مشاريعه و خططه و عماله و هو دائما في شغل و عمل .

قال تعالى : { إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ  (55) } يس

حياة منظمة و لكنها تظل جميلة و متغيرة بما تشمله من المفاجآت السارة السعيدة ، ثم إن المستقبل دائما يحمل له البشريات و الهدايا و سفريات ما كانت على باله و زيارات هًيء لها و جاءه الإمداد لها ، أشخاص جديدون يزورهم و معه نماذج رائعة الجمال من جناته فإذا به يفاجأ أن جناتهم أقل و لكن عندهم نوادر من الجمال ليست عنده فيعطونه مما عندهم هدايا له 000 و هكذا فالهدايا متبادلة و التجمع متنوع , والدرجات تختلف , وعندنا في الدنيا ربما تقول لولدك عندما تنجح سآتي لك بهدية قيمة , و يجتهد الولد و ينجح و يظل يتصور الهدية و لكن عندما يراها يجدها أغلى و أجمل و أرق مما تصور ، هكذا هو المستقبل فليس الخبر كالمعاينة..

مخاوف

والآية تكشف لنا أيضا عن طبيعة صاحب الجنة فهو يتصف بالإشفاق ، دائما خائف متوجس مترقب , دائما على وجل مضطرب ، فالقريب الذي كان يظن أن عنده الأمان فوجئ أنه مصدر القلق و الأحزان ، فوجئ أن قريبه أو نسيبه هذا قطعه و حسده و حقد عليه, وجدنا أن المال الذي جمعناه ضاع فجأة ، و سرقه اللصوص ولطالما تعبنا أيما تعب في تربية أولادنا حيث صارت الدنيا أصعب فأصعب ، و كنا لا نلاحق تلاحق الريح حولنا سواء شرقية أو غربية ، لقد هبت علينا بغبار الدنيا و رشاش الذنوب ، و صواعق السماء ، برق ورعد و شهاب و تزاحمت علينا الابتلاءات وتقاربت الأيام و الساعات وزاد خوفنا أن لا نلحق بكم 000 و حاصرنا الجوع و ساد الخوف و زادت الأسعار و تفشى الكذب و الهرج و المرج و تكلم الرويبضة ، و صُدق الكاذب و كُذب الصادق و عشنا السنوات الخداعات و اعتصر الألم قلوبنا , وكادت أرواحنا أن تُخنق وضاقت علينا الدنيا بما رحبت  , وحملنا هموم تنوء بها الجبال ، كاد لنا الأعداء و تكالبت علينا الأمم ، و صرنا لقمة طرية تلوكها أفواه الطامعين في ديننا قبل دنيانا, فما أكثر سوء الظن بنا, وما أكثر الاتهامات التي صدرت ضدنا ونفقت كذبا و زورا , فما وجدنا من أهل الدنيا خيرا قط ـ إلا من رحم ربي ـ لقد كادوا لنا و نسجوا الشباك حولنا و لكن الله سبحانه سلمنا ، و جدنا قرصنة و تصنت و عمالة و خيانة تحوم حولنا و لكن الله تعالى نجانا 000

” ووقانا عذاب السموم “ إنها نفخ و نفث الشيطان ، إنها أنفاسه السامة التي تسري في الأثير ، فمن كشف عنا هذه السموم و وقانا إياها إلا الله عز وجل ،

قال تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  (164) } آل عمران

قال تعالى : { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  (17) } الحجرات

إنه عذاب السموم القادم من قريب ، من بني جلدتنا , عذاب يهلك الزرع و الحرث و النسل و يقلع الشجر و يهدم البيوت و يشرد عباد الله ، سَموم في الماء في الدواء في الدواب في الهواء ، سَموم في التعليم و الصحة ، سَموم في الإعلام ، سَموم في الثقافة ، سموم مسرطنة في ما يسمونه دين ، دينهم هم الذي اخترعوه من تلقاء أنفسهم  , ما أنزل الله به من سلطان , سموم منشورة ليل نهار مفروضة على البشر ، سموم مكتوبة و سموم مرئية ، و سموم مسموعة .. سموم ليس لها من دون الله كاشفة , لذلك كان دعاء المضطر إلى البر الرحيم البر الذي يبر عباده الصالحين بخيره و يصلهم به دائما صِلة و عطاء و قُرب 000

و تأمل ” إنا كنا قبل ” ” إنا كنا من قبل ” ..

” إنا كنا قبل ” هذه حالتهم وقت خوفهم و اشفاقهم  , هم في حالة اضطراب و سرعة الكلام ..

و الثانية وقت الدعاء حيث الهدوء والسكينة  , فما بقي لنا إلا الدعاء , بعد أن سحبت الدنيا بُسطها من تحت أقدامنا ، فدعوناه دعاء المضطرين ، و كنا دائما نعيش هذه الآية ..

قال تعالى : { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ    (62) }  النمل

فكان دعاؤنا لربنا هو سر النجاة ، و هو سُلم الصعود ، لقد نجانا ربنا و وقانا شرور أنفسنا و شرور الدنيا بما فيها , و وسوسة الشيطان وشر الأشرار من شياطين الإنس و الجن ، إنها مِنة الله تعالى علينا وعليكم أيها الأحباب , وقانا و نجانا و حمانا و من كل ما سألناه أعطانا ، لقد بر الله تعالى بنا وعده و صدقنا عهده ، فهو البر ، بار بعباده المؤمنين الذين صانوا العهد و ما خانوا 000 و هو الرحيم بنا رحمة خاصة إذ ببره و برحمته جمعنا اليوم تحت ظل عرشه الذي كتب عليه ” إن رحمتي سبقت غضبي.

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

الطاقه الايجابيه

ـ  تعمل الطاقة الإيجابية و هي الخير في تحصين الإنسان من الانزلاق في الشهوات و …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *