الرئيسية / مقالات / نوعية السعي المطلوب

نوعية السعي المطلوب

نوعية السعي المطلوب /

قسم الله تعالى السعي إلى نوعين : ـ

سعي مشكور

و سعي مذموم

لم يترك الله تعالى العباد هملا بل وضح لهم ما يريد ، بين لهم خريطة الطريق إليه سبحانه و تعالى 0

((( فأما من أعطى و اتقى و صدق بالحسنى )))

إنها التربية المثلى الفريدة من نوعها ، تربية على النسق الأول ، تربية الأب والأم لأولادهم إنه البنيان الأسري العريق والذي تمتد جذوره في أعماق التاريخ ، صرح شامخ يُبنى على أساس من التقوى و الإيمان بالله تعالى ، سعي مشكور و جهد مبذول و تجارة لن تبور ، تبدأ بالسعي في أول النهار بعد تبييت النية على الكسب الحلال ، أنه وقت تقسيم الأرزاق وقد بارك الله تعالى لهذه الأمة في بكورها فصاحب العلم و الحكمة و الهم العالية يعلم و هو يسعى في طلب خير الدنيا و الآخرة أنه ما يسعى فقط لرزقه و رزق أولاده و أهله ، إنما يسعى لأن في ماله المُكتسب حق معلوم للسائل و المحروم بل لخدمة دينه بوجه عام ، أينما يكون الخير تراه يتصدر صفوف السباق فإيمانه بهذا يدفعه دفعا حثيثا لمضاعفة الجهد ،هذا الذي يدفعه للعطاء ، العطاء الممزوج بالتقوى ,

وكأن العطاء المقبول بين نوعين من التقوى : ـ

تقوى قبل العطاء تتلخص في استحضار النية ثم الكسب بالحلال

ثم تقوى بعد العطاء بعدم المن و الأذى

و مفتاح هذا الخير هو التصديق بأن أجره على الله وأن الله سيجازيه على هذا بأحسن الذي كان يعمل ، و هذه هي هداية الله لعبده هداية التوفيق ، يهديه للعلم والفهم الصحيح فيزداد الإيمان في قلبه فيصبح عبد تقي فيعطي كل ذي حق حقه ، ثم يزيده الله من فضله فيجعله من الصديقين يصدق بالعطاء و يصدق بالأجر من الله تعالى 000

قال تعالى : { و من أراد الآخرة و سعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا } فالشاهد هنا قوله تعالى { وهو مؤمن } مؤمن بأن أجره يقع على الله تعالى ،

هذا هو التصديق ، هذا هو الإحسان يعبد الله تعالى كأنه يراه ، يُعطي و يستحضر المشهد بأن الله يراه و يسمعه ، فيعطي عن معاينة و مشاهدة لا عن غيب ، هذا هو الفارق بين الذي يُعطي بلا إيمان و الذي يُعطي بإيمان و تصديق 0

إذا العطاء مشروط بالإيمان و التقوى ، فعطاء ليس مشروط لا يُعد عطاء ، لابد للعطاء من سياج أمان و حماية ، فالعطاء بلا نية و علم و تقوى ، عطاء عاري معرض للسلب و الضياع ، أو في أقل أحواله معرض للنقصان ، ربما ينتقل من السر إلى الجهر و هذا بالطبع يقلل من الأجر ، فالعمل كلما كان في السر كان أتم وأعظم في الأجر 000 و كلما تحدث عنه العبد و سمع به انتقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية . ومن ثم ينفض فلابد للعبد أن يوفي بشروط عقد العطاء لله تعالى من ضمن هذه الشروط عدم المن و الأذى ,

قال تعالى : { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يُتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون (262) قول معروف و مغفرة خير من صدقة يتبعها أذى و الله غني حليم (263) يا أيها الذين ءامنوا لا تُبطلوا صدقاتكم بالمن و الأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس و لا يؤمن بالله و اليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا و الله لا يهدي القوم الكافرين (264) البقرة

إنه وصف دقيق و تصوير بالغ الدقة للذي ينفق رئاء الناس  ,مثله مثل الحجر الأملس الناعم الذي هذا الحجر ذرة واحدة ؟! إن مثل هذا يشبه تماما الذي يعمل رئاء الناس ,

فلابد أن يغلف العطاء برداء التقوى والذي يشمل القول الصالح ، { و قولوا للناس حسنى } فلا أذى ولا ظُلم للمحتاج سواء بكلمة أو بنظرة أو بحركة أو حتى بإشارة لا أذي بتقديم القديم البالي للمحتاج ، أو بتقديم جيد و لكن بطريقة مشينة تجرحه ، لأن العبد يتعامل أولا و أخيرا مع الله الغني الحميد ، لا مع العبد و إن أساء و إن لم يشكر ، فسوء المعاملة في العطاء قد تبطل أجر العطاء و كذلك الذي يُعطي رئاء الناس ، يُعطي ليمدحوه أو ليشكروه أو ليعملوا على تلميعه و تقديمه و شهرته ، ولا يؤمن أن أجره فقط على الله تعالى , ولك أن تتأمل هذا النوع من العطاء

قال تعالى : { الذين ينفقون أموالهم بالليل و النهار سرا و علانية فلهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون } [ البقرة / 274 ]

هذا هو عطاء المؤمن المصدق بأن أجره عند ربه

و لفظ ” فأما ” كأنه باب يفتح للعبد إذا أراد أن يبدأ طريقه إلى الله تعالى أو يبدأ صفحة جديدة مع الله تعالى هذا هو تفصيل لما أجمل من قبل , وكما قلت آنفا أن السعي شتى في الليل و النهار بلا تحديد ثم تأتي هذه الآية و توضح خطة السير إلى الله تعالى و نوعية السعي المطلوب و الذي قسمه الله تعالى إلى سعي مشكور و سعي مذموم و لذلك جاء بلفظ ” فأما ” كأنه باب يفتح للعبد إذا أراد طريق السعي المشكور

و كأنه عقد مع الله تعالى عقد أبرمه عن عقيدة ، و هو في الأصل مسلم عاقل مكلف قادر ، هذه بعض شروط صحة العطاء 0

مفهوم العطاء الحقيقي

و لكي يفهم العبد معنى العطاء و قيمة العطاء و من أعطى وعلى من أجرى و مقدار العطاء و متى أعطى و كيف أعطى و ما علاقة العطاء بالتقوى ؟

و ما علاقة التقوى بالتصديق ؟

لابد للعبد أن يرجع إلى بداية الأمر ، كان الله و لم يكن شيء قبله ، كما في حديث عمران ابن حصين في بدء الخلق ” كان الله و لم يكن شيء قبله و كان عرشه على الماء ثم خلق السماوات و الأرض ” و قام هذا الخلق على الميزان ، عطاء بحكمة و تقدير ، كما في حديث أبي هريرة رضى الله عنه ” يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل و النهار, وقال أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات و الأرض فإنه لم يغض ما في يده , و قال عرشه على الماء و بيده الأخرى الميزان يخفض و يرفع ”  البخاري

فيد الله تعالى ملأى لا تتوهم النقصان لا يغيضها , والعطاء مستمر استمرار الليل والنهار و تعاقبهما بل ” سحاء ” و لفظ ” أرأيتم ”  يدل على تطاول المدة و الهمزة فيه للتقرير و هذا الحديث يدل على زيادة الغنى و كمال السعة و الاستمرار و النهاية في الجود و البسط في العطاء ثم حدد الأشياء و قدرها و قدر وقتها { و الله يقبض و يبسط } و في حديث أبي موسى عند مسلم و ابن حبان ” أن الله لا ينام و لا ينبغي له أن ينام يخفض القسط و يرفعه ” و السح ” سحاء ” تفيد الصب الدائم في الليل و النهار لا ينقصها شيء ، فعطاء الله تعالى لا ينقصه الإنفاق و لا يُمسك خشية الإملاق ، و عبر صلى الله عليه وسلم عن توالي النعم بسح اليمين 0

و الواجب كما قال الإمام أبو العز الحنفي في شرح الطحاوية في العقيدة السلفية أن ينظر في باب الصفات فما أثبته الله ورسوله أثبتناه  , وما نفاه الله ورسوله نفيناه والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات و النفي , و قال رحمه الله في ” الفقه الأكبر ”  وهي رسالة صنفها الإمام أبو حنيفه رحمه الله تعالى ، وهي على مذهب أهل السنة و الجماعة ، و قد اعتنى بها كثير من العلماء بالشرح و التعليقات المفيدة ( شرح الطحاوية / ص 9 ] قال رحمه الله إن الله عز وجل له يد ووجه و نفس كما ذكر الله تعالى في القرءان ، فهو له صفة بلا كيف ( الصفة معلومة و لكن الكيف مجهول ) ولا يقال أن يده قدرته و نعمته لأن فيه إبطال الصفة

 قال تعالى : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }

و ليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع بل نثبت الصفة من غير تحريف و لا تطيل و لا تكييف و لا تمثيل كما أخبر ابن تيمية في العقيدة الواسطية 00 ( اثبات مع التنزيه )

وقال ابن حجر في فتح الباري : المراد في قوله ” ملأى ” هو أنه في غاية الغنى وعنده من الرزق ما لا نهاية له في علم الخلائق فالله تعالى هو المعطي الكريم الجواد الأكرم ، البر ، المنان قال صلى الله عليه وسلم : ” من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين و الله المعطي و أنا القاسم ” و كان صلى الله عليه وسلم يقول بعد السلام من الصلاة : ” لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت و لا معطي لما منعت و لا ينفع ذا الجد منك الجد “

و المعطي سبحانه هو الذي أعط كل شيء خلقه و تولى أمره و رزقه في الدنيا و الآخرة , كما قال الله تعالى عن موسى عليه السلام و هو يصف عطاء الربوبية { قالا ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } طه

و قال تعالى عن عطاء الأخرة : { فأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ } هود

وعطاء الله تعالى قد يكون عاما أو خاصا ، فالعطاء العام يكون للخلائق جميعا والعطاء الخاص يكون للأنبياء و المرسلين و صالح المؤمنين 0 فمن العطاء العام ما ورد في قوله تعالى : { كُلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا } الإسراء

والعطاء هنا هو تمكين العبد من الفعل , ومنحه القدرة و الاستطاعة ، كُل حسب رزقه و قضاء الله و قدره 0

و من العطاء الخاص تحقيق مطلب الأنبياء والصالحين من الأولياء  ,قال تعالى : { قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) فسخرنا له الريح تجري بأمره رُخاء حيث أصاب (36) و الشياطين كُلا بناء و غواص (37) و ءاخرين مقرنين في الأصفاد (38) هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) } ص

إنها قصة الدعاء والعطاء عبر العصور //

لم يرد اسم الله المعطي في القرءان الكريم إنما ورد في السُنة النبوية كما قدمت آنفا و قد ورد في القرءان الكريم بصيغة المصدر للفعل أعطى و هو في قوله تعالى : { كُلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا } [ الإسراء / 20]

وورد بصيغة الفعل في قوله تعالى : { و لسوف يعطيك ربك فترضى } الضحى / 5

و في قوله تعالى : { إنا أعطيناك الكوثر } الكوثر / 1

و نحن نطلق اسم الله ” المعطي ” بناء على ما جاء في السُنة النبوية ” من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين و الله المعطي و أنا القاسم ” و ليس من القرءان الكريم لأنه لا يجوز اشتقاق أسماء الله من الأفعال

و المعنى لاسم ” المعطي ” في حق الله تعالى أن الله سبحانه هو المعطي على الحقيقة ، لا مانع لما أعطى و لا مُعطي لما منع و عطاؤه سبحانه واسع ليس له حدود و لا قيود ، يعطي الدنيا لمن يحب و لمن لا يحب أما الآخرة فلا تكون إلا لمن يحب و عطاؤه واسع يشمل كل العطايا و الهبات و أعظمها في الدنيا عطية الإيمان و الهداية و في الآخرة النظر لوجهه الكريم 0 و الله تعالى لا يتبرم بعطائه و لا يبدل عطائه بل إنه سبحانه يحب أن يجود على عباده و يحسن إليهم قال ابن القيم رحمه الله : محبته للجود و الإعطاء و الإحسان و البر و الإنعام و الإفضال فوق ما يخطر ببال الخلق أو يدور في أوهامهم إذ هذا شأن الجواد من الخلق و لو أن أهل سماواته و أرضه و أول خلقه و آخرهم و إنسهم و جنهم و رجالهم و نسائهم في صعيد واحد فسألوه فأعطى كل واحد ما سأله ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة 0

عن سعيد ابن عبد العزيز ، عن ربيعة ابن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ذر جندب بن جنادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك و تعالى أنه قال : ” يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل و النهار و أنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضُري فتضروني ، و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم ، قاموا في صعيد واحد ، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ” قال سعيد : كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على رُكبتيه 0 رواه مسلم

و روينا عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قال : ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث [ رياض الصالحين / الإمام النووي ]

كتبه/ام هشام

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *