الرئيسية / مقالات / ((( و الليل إذا يغشى)))

((( و الليل إذا يغشى)))

اقول وبالله التوفيق//

((( و الليل إذا يغشى)))

 ليل النبات

فالبذرة أنبتت حينما تستيقظ من حالة الكمون ” السُبات ” و يبدأ الجنين فيها في النمو إلى نبات صغير يتغذى على الغذاء الموجود بالبذرة و لكي تنبت البذرة يجب أن تكون ناضجة و محتفظة بحيويتها كما يجب أن تتوفر لها بيئة مناسبة 0

و إن من العجب أن هناك بذرة يكون نتاجها فوق أرض أي أن تدفع البذرة إلى أعلى خارج التربة مثل الخروع

و تحت أرض أي تبقى البذرة تحت الأرض مثل الفول 0

” البقلاء ” ينمو الجذير إلى أسفل

و تأمل صنف من البشر مثل هذا الصنف من النبات قال تعالى :{ و إن فرعون لعال في الأرض}

و ثمة صلة قوية بين حياة النبات و حياة الإنسان من حيث تربة الأرض و اختلاف البيئات

كما عند الترمذي في حديث النبي صلى الله عليه وسلم

1ـ ” أن الله خلق آدم من قبضة قبضها من تراب الأرض ـ و في رواية أخرى ـ من جميع تراب الأرض ـ فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر و الأبيض و الأسود و جاء منهم السهل و الحزن 00 ”

فكل إنسان له تربة و له بيئة و له ليل خاص به  أي مرحلة كمون و ثبات ، مرحلة تكوينية لعقله و لبدنه و لقلبه و لروحه 00

2 ـ و هذا التكوين ليس بمادة التراب فقط بل بعنصر الماء أيضا ، ماء و تراب كالنبات تماما ، انه خلق آدم عليه السلام من ماء و تراب اختار الله جل جلاله هذين العنصرين لتكوين الإنسان و نحن نعلم أن وظيفتهما الأساسية هي التنقية و الطهارة فلا طهارة بغير ماء و في حالة عدم وجود الماء نتيمم و الأرض كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” جُعلت لي الأرض مسجدا و طهورا ” فالأصل في الأرض أنها طاهرة و كأن الله جل جلاله أراد أن يقول للإنسان أن معدنك طاهر نظيف وأنك خُلقت من أكثر الأشياء طهارة و نقاء .

3 ـ المرحلة الثالثة في خلق آدم، أن الطين بدأ يتلاصق مع بعضه و يتجمع إلى أن أصبح متماسكا { إنا خلقناهم من طين لازب } أي أن في تركيبته قوة و تماسك طبيعية

4 ـ ثم بدأ الله جل جلاله يُشكل بيده الكريمة هذا الإنسان كالصلصال

5 ـ ثم ترك الصلصال حتى يجف حوالي أربعين عاما فتغير لونه فصار كالحمأ المسنون أي يميل

لونه إلى السمرة { و لقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون } ثم أصبح هذا الصلصال أجوف أي له صلصلة { خلق الإنسان من صلصال كالفخار } تمثالا ضخما عملاقا لا حراك فيه خاليا من الروح { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } ثم نفخ الله جل جلاله فيه الروح فتحول من جماد إلى إنسان يتحرك كالبذرة التي نمت و شقت الأرض و خرجت تتحرك في الهواء 0

وتمد فروعها و أغصانها و تتدلى أوراقها ، ثم تبدو ثمارها ، لقد اقتحمت الروح سواد الطين

ليل الجسد ” فحولته إلى نهار مُشرق ، أصبح الإنسان له جلد مُلون ، أصبح له حركة ، ابتسامة مشاعر , مواقف ، عيون ترى ، أنف يشم ، أذن تسمع لقد طال ليل الجسد إلى ما يقرب من أربعين يوما و هو صلصال أسود ، جماد بلا حراك ! فآدم عليه السلام غشيه ليل طويل و هو لا يدري ، لأن الذاكرة اقترنت باقتران الروح للجسد ، ليله يشبه ليل البذرة تحت الأرض في الطين الأسود ، هذا هو ليل الإنسان الأول ، هذا هو المجهول الذي علمه الله جل جلاله إياه ، لقد حكي له قصته الأولى ظُلمته الأولى ، ليله الطويل ، حيث لم يكن شيئا مذكورا 00

ليل فيه أسرار و عجائب ، أسرار هذا الجسد ، أسرار ضعفه و قوته أسرار أنسه ووحدته ، أسرار قربه و بعاده ، أسرار مرضه و شفائه ، أسرار شهواته و هفواته ، أسرار تربته و معدنه

فالناس معادن ، لقد علمه الله جل جلاله ما لم يكن في مقدوره أن يعلمه من نفسه ، أسرار خفية عن مرأى و مسمع البشر لذلك ينبغي على العبد أن يستمع جيدا إلى كلام ربه ، و أن يُعيره كل اهتمام 00 فهناك أمر جلل و أسرار عظيمة ليس في مقدور الإنسان أن يعلمها بعقله أو بعلمه المحدود ، إنها (أسرار الكمون و البيات) الطويل في ظلمات التربة و ظلمات الليل أنها أسرار الإنسان الذي أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا 00 إلى أن سطع نهاره و أشرقت شمس حياته و ظهرت قواه النفسية و العقلية و الجسدية ، كالنبتة تظهر فوق سطح الأرض و في هذا إشارة إلى أن الإنسان يحتاج إلى فترة ” كمون و بيات ” بعيدا عن الخلق ليكون إيمانه ، بعيدا عن العيون و الضوضاء و أنواع التحديات و المشاحنات و الصراعات 00 أنها مرحلة ” الكمون الإيماني ” فإذا أراد الله جل جلاله لعبد خيرا جعل له زمان كمون و مكان كمون في حياته ، و يسر له عمل صالح يحبه و يرضاه ، يتلاءم مع جهده و طاقته و إمكاناته ، فهذه مرحلة ييسرها الله جل جلاله لعبده و كأنها ” ليل حياته ” في هذه المرحلة ، مرحلة البيات الليلي يشتد عوده الإيماني

<<>>  سرية الدعوة  <<>>

و هذا يُذكرني بالطبع بسرية دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في دار ” الأرقم بن أبي الأرقم ” ثلاث سنوات حيث تتكون البذرة الأولى للإسلام ، و يتكون معها تلكم الصفوة المختارة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دار الأرقم الذي شهد ليل الدعوة ، ليل الفكر ، ليل انطلاق المخطط الأول ، ليل النبتة الأولى ، و الرعيل الأول نجوم و كواكب في سماء الإيمان 000 نجوم تحيط بالسراج المنير صلى الله عليه وسلم 000 وكذلك كان الحال في غار ثور 00

إنها مرحلة الكمون و البيات بعيدا عن أعداء الدين الحاقدين الحاسدين ، بعيدا عن أعين و سمع و خطوات الناس ،

إنها مرحلة إعداد و تهيئة و تربية ، ينبثق منها فجر جديد يطل على العالم بأسره و إلى يوم الدين إنها مرحلة بناء الإيمان

قال تعالى” أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)

إنها فترة من حياة العبد الذي دفعه الله جل جلاله إلى ما يحب و يرضى ، فترة بناء و تأسيس ووضع أعمدة الإيمان و أركانه ثم تأتي تباعا مراحل أخرى تتفرع من هذه المرحلة الأساسية ، فيصبح العبد عالما عاملا ربانيا ، هذا الذي اهًله الله جل جلاله و هيأه و أعده لشرف العبودية 000

إذا فمن وظيفته في النهار يعرف ليله ، أقصد وظيفته كعبد لله إما في طاعة أو في معصية ، فالنهار كأنه يكشف غاشية الليل فالماضي لم يكن معلوما إلا بوظيفة الحاضر كالبذرة لا تُعرف إلا بعد الإثمار ،

و الثمرة تعرف تُربتها بعد إثمارها فشجرة الكاكاو تعرف أن أجواءها كانت حارة 0

و شجرة الزيتون تعرف أن أجواءها كانت باردة ، و كأن الشجرة عرفت أمها ” التربة ”

و كذلك ما عرفت وظيفة الجسد إلا بعد دخول الروح في الجسد و كأن الجسد كان في ليل التكوين ثم جاءه الروح كالنهار فالشيء الخفي عنا خلق قبل المعلوم لنا 00 و بعد ذلك كانت الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف , كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

<< حماية الجنين في بطن أمه >>

إنها مرحلة بداية الدعوة السرية و هي تشبه حياة ” الجنين في بطن أمه ” فهو يحتاج إلى حماية و حفظ و رعاية خاصة في حياته الليلية هذه ، هذه الفترة التي لم يذكرها الإنسان ، هي ليست في الذاكرة ، كمرحلة صلصال آدم عليه السلام

هذه المرحلة التي ذكرها الله تعالى بقوله : { في ظلمات ثلاث } ظلمة الرحم و ظلمة المشيمة و ظلمة البطن ، و رغم ذلك حفظه في مكان مكين أمين ، يتلاءم مع نموه و تطوره في الخلق و التكوين وسط أجهزة تحيطه و تحفظه و غذاء يناسب نموه 0 و أغشية تحميه من الصدمات و الأضرار ، حرارة مناسبة و رطوبة مناسبة ، إلى جانب ” غشاء الأمنيون ” الذي يحيط بالجنين مباشرة و هو واحد من الحواجز التي خلقها الله جل جلاله بقدرته ، سبحان الله تعالى مصانع تعمل و حضانة مهيأة مجانا لحماية الطفل و بلا إضاءة و لا إنارة ، ظلمات ثلاثة ، و مع ذلك الكل يعمل في خدمته و حمايته فظلمة البطن لا تمنع خدمة الجنين ، بل أن الجنين نفسه يتحرك في هذه  الظلمات ، داخل الرحم المظلم ، في تكييف رباني 00

أرأيتم عمال تعمل في ظلمات ثلاث ؟! و نحن نعلم أن كل عضو يعمل بإذن الله جل جلاله عن طريق ملك ، أليس للرحم ملك ، و كذلك كل عضو ، فالله جل جلاله يعطينا نوع و نحن نفهم ولباقي الأجهزة ملائكة 00 فالبعض يدل على الكل ، وهناك من الشواهد ما يؤيد هذا

فرغم غاشية الليل وإرخاء سدوله على حياة الجنين في بطن أمه فهناك من ” جيب المياه ” المتكون من سائل ” الأمنيون” الذي يجعله الله جل جلاله وقاية لرأس الجنين أثناء الولادة من التهشيم 0 كما أن انفجار الماء عند الولادة يقتل جراثيم و ميكروبات موجودة في المهبل ، قبيل الولادة ، حتى يضمن الوليد طريقا ممهدا نقيا و معقما ، و هكذا رعاية الله تعالى لخلقه في ليل بطن الأم 0

قال تعالى : { قد علم كل أناس مشربهم }

قال تعالى : { كل قد علم صلاته و تسبيحه }

في هذه المرحلة يتم تسوية الطفل على الفطرة السليمة

قال صلى الله عليه وسلم : ” كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ”

إنها فطرة الاسلام النقية و هذه من أعظم نعم الله تعالى على العبد في هذه الفترة التكوينية

تأمل ميلاد عيسى عليه السلام و هو في أول الأمر وآخره بشر ، طفل مولود على الفطرة ، تأمل كيف نطق ؟ و بما نطق ؟

قال تعالى : { فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) و جعلني مباركا أينما كنت و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا (31) و برا بوالدتي و لم يجعلني جبارا شقيا (32) و السلام علي يوم ولدت و يوم أموت و يوم أُبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) } مريم

وتأمل بماذا نطق ابن ماشطة فرعون ” يا أماه اصبري فانك على الحق ”

وأقول إذا غشيك ليل الإيمان فاعلم أن النهار قادم بإذن الله تعالى ، و قد يغشاك الليل بالابتلاء 00 ومن منطلق ليلك تستطيع أن تعرف وظيفة نهارك ، بمعنى أنك إن أحسنت في ليلك كافأك الله تعالى و وفقك لعمل صالح بالنهار، وان شغل ليله بالمعاصي ، خذله في النهار فالمعاصي تنادي أخواتها 00 و بالجملة فان كل أدوات الحياة يأتي عليها الليل و يغشاها فالقلب يغشاه ليل الإيمان أو ليل الكفر..

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

بناء النفس !! كيف يكون

بناء النفس !! كيف يكون بناء النفس بناء يصل إلى عنان السماء ، بناء لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *