الرئيسية / مقالات / ” و سبح بحمد ربك حين تقوم 0 و من الليل فسبحه و إدبار النجوم “

” و سبح بحمد ربك حين تقوم 0 و من الليل فسبحه و إدبار النجوم “

” و سبح بحمد ربك حين تقوم 0 و من الليل فسبحه و إدبار النجوم “

 إنه التسبيح ، تسبيح الله تعالى الذي نجانا من أنفسنا و من شرور الإنس و الجن ، تسبيحه من كل نقص, فهو القوي المتين القادر على حفظ عباده المتقين ، فهو الحفيظ و العبد يعجب من حفظ الله تعالى له، كيف حفظه و كم حفظه ، و هذا التسبيح الأول يعني تثقيل الأرض بالتسبيح حتى لا تمور و تضطرب و تميد ، فالليل شحن للطاقة الإيجابية في الصالحين الأتقياء ، و لذلك ينادي رسول الله صلى الله عليه و سلم .

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فزعا يقول : ” سبحان الله ! ماذا أنزل الله الليلة من الخزائن ؟! و ماذا أنزل من الفتن ؟ من يوقظ صواحب الحجرات ” يريد أزواجه “لكي يصلين رُب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة ”

[ رواه البخاري ]

كاسية في الدنيا بالثياب عارية في الآخرة من الثواب

تقرير و بيان يتضمن معنى التعجب و التعظيم ,وعبر عن الرحمة بالخزائن, وعن العذاب بالفتن يريدهن يقظات , ليتخلصن من العذاب و الفتنة ، فإذا كان هذا موجه لزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم الصالحات القانتات لرب البريات فغيرهن أولى بهذا ، و هذا الزمن أولى مما قبله ، فقد كان رضي الله عنهن في أشرف الأزمنة ، فما بالنا اليوم و كثير من الناس في غفلة عن ربهم 000

فالإنسان يعيش نهاره و يعايش الآخرين ، يعيش أزمانهم ، يعيش الفتنة  معهم  والأخطار, و يرى من حوله دول تسقط و لا تعود ، و يرى حملات و غارات تُشن عليه ليل نهار ، و يرى إرهابا أسودا يأكل الأخضر و اليابس ، و نسمع عن فقر و أمراض لم تكن في أسلافنا و نسمع عن معاصي و فواحش و ضياع في الوقت 000 و ضياع في العمر, و صار الإنسان من أرخص الكائنات و المخلوقات  , ذُل بعد عِز, وانحدار بعد رقي و ارتفاع ، و انحصر بعد ما حاصرته  ,و تكالبت عليه الأمم , و سُلبت بيضته و سُرق ماله و كنوزه بل و دينه و هويته 00 و أظلمت الدنيا على من فيها بذنوبهم ,وعصيانهم و بُعدهم عن ربهم 00 هذا الذي رآه المؤمن و صدق الله القائل عز وجل : { لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58( } النجم

فلابد إذا للإنسان ، أن يعود إلى صراطه المستقيم و منهجه القويم , لابد أن يُصلح اعوجاجه و انحرافه عن الجادة ، فأصبح تسبيح المؤمن ليلا في صلاته و ذكره عن بينة , ليس مجرد تسبيح باللسان ، إنما تسبيح المضطر ، تسبيح المظلوم ، تسبيح من أُخذ حقه و سُلب أرضه , و نقص قدره كإنسان ، أصبح تسبيح عن ادراك تسبيح له معنى ، تسبيح مع الرؤية و السمع و الفهم ، تسبيح عن مشاهدة و علم ، إنه الذي استجمع اشارات النهار ، يسبح و هو يستجمع فكره و يأخذه من النهار لليل 000

تسبيح مع مباشرة الأحداث ، فالليل محاسبة ، الليل تجديد الشحن الإيماني ، الليل اندهاش و تعجب كيف نجوت من فلان ، و كيف دافع عني الله تعالى و كيف سترني ؟ و كيف صرف هذا عني ، و كيف أبعد هذا الحدث و قرب هذا الملأ ، كيف ألهمني و سدد قولي و فعلي ؟ ولماذا هذه الكلمة نطقتها .. و كان فيها السلامة و الأمان , و هكذا يظل يستجمع نفسه و يستجمع الأحداث , و يستغفر و يسبح و يحمد و يشكر ربه عز وجل حتى يصبح و قلبه ذاكر ربه سبحانه 00 إنها مناجاة الليل إنها رعاية الله تعالى لعباده الصالحين أن يوقظ قلوبهم لذكره ، إنها العصمة الإيمانية و السياج النوراني ، إنه دين الله الحنيف الذي به يُحفظ العباد 00 فهذا التسبيح يختلف عن التسبيح الثاني

” ومن الليل فسبحه و إدبار النجوم “

التسبيح الأول تسبيح تعجب و اندهاش من قدرة الله تعالى في حفظ عباده وعصمته لهم من الشرور المحاطة بهم  , أما التسبيح الثاني أخص من الأول ، فهو تسبيح المحبين المتفردين في الثلث الأخير من الليل و قبل إدبار النجوم 000

إنه نور التسبيح الذي لا يخفت و لا ينقص بل يزيد , إنه النور الذي يصعد من الأرض للسماء ، يراه اهل السماء كالنجم ، نور تغار منه النجوم , بل تُدبر النجوم  ,و يظل نور الذاكر منيرا لأهل السماء ، فنور ذكره أدوم و أبقى من نور النجم ، فالشمس تدبر , و القمر يدبر, و النجم يدبر و يظل نور المؤمن منيرا لأهل السماء 000 و كأن النجوم تستحي من نوره و تتوارى خجلا منه 00 إن نور النجوم سيدبر مع أنوار التسبيح { وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46) } الأحزاب

فلن ينير الليل إلا تسبيح الله تعالى ، الليل مظلم و أسود فلا يزيده الإنسان سوادا و ظلمة , بل يحول ظلمته إلى نور ، نور حقيقي ليس مجازا ، نورا في قوله و في فعله و في سلوكه و أخلاقه ، نورا في الأرض و نورا في السماء 0 فنجوم السماء تُدبر و لكن نور المؤمن لا يُدبر

فضوء الشمس و نور القمر و النجوم بين بزوغ و أفول , لكن نور المؤمن مستمر ,  إن نور النجوم سيدبر مع أنوار التسبيح .

سبحان من استخرج النور من الطين 000 فكان أعلى من نجم السماء ، بل إن نجوم السماء تضيء بنور تسبيحه , ويشتد ضوؤها , فهو نجم يتلألأ على كوكب الأرض , بل نجم أعلى من نجوم السماء ، إنه ذكر الله الذي رفغ به الله تعالى عباده 00

{ و رفعنا لك ذكرك } بدأت بعلو على الأرض من الجبل للنجم , و بهذا العلو تنتهي سورة الطور ، بدأت بالعلو وانتهت بالنجوم ، و كان أعلى ما النجوم نجم الذاكر لله تعالى المسبح بحمده ” الإنسان ”

صاحب العهد مع الله تعالى ، الذي سطر اسمه في الكتاب المسطور ، و نشر ذكره في الرق المنشور, و طاف بذكره ملائكة البيت المعمور, بل كان له النصيب الأوفر من دعاء حملة العرش عليهم السلام …

قال تعالى : { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9( } غافر

بل و طاف اسمه بين ملائكة السقف المرفوع ” عرش الرحمن”

” إن مما تذكرون من جلال الله التسبيح و التهليل والتحميد ينعطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل تُذكر بصاحبها أما يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يُذكر به ”

فارتبط آخر السورة بأولها رفعةً و علواً من الطور إلى النجم …

من الطور إلى النجم إنها رحلة الإنسان من الطور إلى النجم 00 رحلة الإنسان من الأرض إلى السماء 000

رحلة الإنسان من الأرض إلى الجنة 000

إنها رحلة الإيمان ، مشوار حياة ، مليئا بالمشقة و الابتلاءات فيه شد و جذب ، فيه جهاد ، فيه صبر و حلم و علم و حكمة ، فيه حرمان و كر و فر من الأعداء و من ثم لحاق وغزو و هجوم  من المؤمنين , و هكذا حياة الإنسان المؤمن على الأرض …

إنه الترابط بين آيات الله تعالى في السورة الواحدة و بين السورة و أختها و بين السور و السور و هذا في كل سور القرءان الكريم وهذا من اعجاز القرءان الكريم فالحمد لله و المنة..

وفي ختام حديثي معكم , وبعد هذا الطواف المهيب في سورة الطور لا يسعني الا ان اشكر الله سبحانه وتعالى الذي وفقنا وأعاننا وبصرنا بعلامه , وجعله نورا على الطريق اليه عز وجل , اشكره على نعمائه وعلى حكمته في خلقه , وحكمته في قضائه وقدره , وأسأله سبحانه ان يشملنا بعنايته , وبعينه التي لاتنام , وأسبحه وأحمده حمدا يليق به سبحانه آناء الليل وادبار النجوم , ثم اشكر كل من ساهم وكتب وراجع ودقق وأخرج هذا العمل ,ثم ادعوه سبحانه ان يجعله عملا صالحا يرضاه , وان يدخلنا برحمته في عباده الصالحين , وان يعاملنا بفضله واحسانه , فهو اهل التقوى واهل المغفرة , وان يزيدنا من فضله وعلمه وحكمته ونوره , آمــــــــين,, واخر دعوانا ان الحمدلله رب العالمين ــ سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا انت ,استغفرك واتوب اليك …

خادمه القرآن الكريم

{ام هشام}

شاهد أيضاً

((( فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45(  )))

((( فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45(  ))) ولذلك نقرأ و نستمع إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *