الرئيسية / مقالات / “يتنازعون فيها كأسا لالغو فيها ولا تأثيم”

“يتنازعون فيها كأسا لالغو فيها ولا تأثيم”

و السؤال // من هم الذين يتنازعون هذا الكأس ؟

إنهم الأسر وزوجاتهم و الخدم و الحور و الكأس إناء الخمر ، و هذا الإناء لا يجعلهم آثمين لأنه مباح لهم ، و هم أضياف الله تعالى وهي تحيتهم من الله تعالى ,فنزه الله تعالى خمر الأخرة من قاذورات خمر الدنيا و أذاها , فنفى عنها كل السلبيات من صداع الرأس ووجع البطن, و إزالة العقل, وأن منظرها حَسن و طعمها طيب , قال تعالى : {  بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ (47) } الصافات

قال تعالى : { لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19) } الواقعة

إنها خمر الجنة تحمل معنى التسلية والفكاهة و الضحك, أخذ و عطاء و شد و جذب ، فالخمر هنا تفك باقي عُقد نفسية في اللاشعور عند الإنسان ، فإنسان الدنيا اعتاد على الشكل الكلاسيكي و البروتوكولات الرسمية ، يلبس بدلة و مِنَشي و مُكشِر و يَعُد هذا من لوازم البرستيج, و كأنه إن جاز التعبير ” سي السيد ” عيناه حمراء, و يهمس بالحديث عنده من يتكلم فالجنة غير هذا تماما الجنة دار السعادة بلا كلفة و لا عُقد البرستيج بها عادي و طبيعي ، فصاحب الجنة بشوش بسيط يضحك بصوت ، فرح سعيد ، هذا يجذب الكأس من هذا ، و هذا يريد أن يشرب معه و آخر يسبقه في الشراب ، و هذا يتحدث و يشرب و آخر يضحك و يشرب و سعيد ، لا تراشق بينهم بالألفاظ و لا إساءات و لا بذاءات ، أناس فرحانة ، ترفع الموائد و لا ترفع حالة الفرح , فالفرح دائم و السعادة لا تنتهي, صوت الكؤوس كأنغام الموسيقى ، صوت أمير وأميرة الجنة أصوات لا تكاد توصف من شدة النعومة و الجمال و الدلال, مع الاحتفاظ بالوقار ، خدم كثيرون ، يرتدون زيا موحدا ,يقفون صفوفا منتظمة ، ينتظرون اشارة من أهل الجنة ، يتسابقون في خدمتهم ، كذلك الولدان الصغار يحيطون بالمكان, فينشرون جو السعادة و المرح بين الجلساء الأمراء  و آخرون يلعبون ألعابا تثير الاعجاب و الدهشة و تجذب الأنظار ، و تثير فيهم الضحك والسرور ، فهم يمتازون بالخفة و الرشاقة و سرعة الحركة ، و يمتازون بالذكاء و سرعة البديهة ولدان مدربون بحركات و ألعاب جميلة و عجيبة 000

السعاده الابدية

و لا ننسى مجيء الحور وهن يسهرن مع أميرات و ملكات الجنة من نساء أهل الدنيا ، إنه لهو الفائزين ” أهل الجنة “, فكؤوس الخمر عندما تناولها أهل الجنة عملت على زيادة عمل المخ و نشاطه بلا خلل, مما جعله يزيد من أفراحه ، هذا الكأس جعلهم يفعلون غير المألوف ، أصبحوا أناس غير تقليدين ، ثم إن هذا الخمر جعلت الشارب منها يرى جمال كل شيء في الجنة يتضاعف جماله ، فالجمال يتضاعف من هذا الكأس فالجنة جميلة و هذا الكأس زاد من الشعور بالجمال ..

ثم إن كأس الجنة من الخمر يزيد من الترابط و التراحم و المودة بينهم, على العكس من خمر الدنيا التي تولد الشحناء و الخصومات و البغضاء و ربما الجرائم ،

فخمر الجنة تضفي على شاربها مظهر الفرح و السعادة و جلب له مشاعر المودة داخليا ، تسبب له حالة نشوى داخليا ، فخمر الجنة تنشط العقل و تحفزه لأفكار جديدة ,ولأسئلة تجول بالخاطر وتخرج الإنسان عن مألوف الحديث ,فيزداد المجلس طولا و جمالا و علما و معرفة و ذكرا لله تعالى ، ليس فقط

” لذة للشاربين ” كشراب إنما هي لذة للفكر و للعقل و للقلب و للروح 000 فهي تجلب السعادة ، هي من أسباب المرح و السعادة و الاجتماع في الجنة قال تعالى : { وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ } و لا يظن أحدنا أن أنهار الجنة الأربعة و منها نهر اللبن و نهر الخمر و نهر العسل قال تعالى : { مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ   وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15(  } محمد

لا يظن أحدنا أنها أنهار لبن أبيض دسم و رائحة اللبن تفوح و تملأ النهر ونهر العسل يلزق فيه الإنسان و سميك و ثقيل و نهر الخمر كذلك , إنما بدأ الله تعالى الأنهار بذكر الماء إشارة ألى أن باقي الأنهار عبارة عن ماء ، أنهار ماء و لكن كل نهر بطعم  ,,  نهر طعمه لبن و نهر طعمه خمر و نهر ماؤه طعم العسل و جمال و حلاوة العسل و فوائد و شفاء العسل ، فكل نهر له ماؤه و صفاته و جماله و لكنه في الآخر هو ماء ، و عندنا في الدنيا ماء زمزم أليس طعمه يختلف و مذاقه من إنسان لآخر, منهم من يجد طعمه ماء عادي و منهم من يجده حالي ومنهم من يجده  طعم الحليب , وهكذا و هو ماء ، نفس الشيء و الله تعالى أعلى و أعلم

” نهر الخمر “ إنه الشراب الذي تفضل الله تعالى به على أهل الجنة , لأنهم ما شربوها في الدنيا تنفيذا لأمر الله تعالى إلى جانب ما فيها من المفاسد و الأضرار ، فالله تعالى يعلم ما خلق ، و كل ما حرمه الله تعالى هو أعلم به ، فخمر الدنيا معيبة بكل المقاييس 0 فخمر الجنة كما قال تعالى : أنها بيضاء و لا تغتال العقول, إنما هي لذة  فلا يمل الشارب منها , تجعلهم في حالة طرب و تزيد مزاجهم اعتدال و صحة و انبساط فيه وقار 000 فلا قيء و لا سُكْر و لا صداع ، فخمر الجنة منزهة عن ذلك ، و هي الرحيق في قوله تعالى : {  يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ ( 25) خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ  (26) } المطففين

و الرحيق هو الخمر ووصف هذا الخمر بوصفين أنه ” مختوم ” أي موضوع عليه خاتم ثم إنهم إذا شربوا وجدوا في ختام شربهم له رائحة المسك 000 و بالطبع هذا الوصف و هذا الشكل و هذا الصنف من الخمر ليس في سورتنا ” سورة الطور ” فلكل مقام مقال ، فهي على درجات لأصحابها , فليست الخمر واحد في شرابها لأصحاب الجنة هي أنواع و مستويات ولذاتها تختلف من جنة لجنة ,  بل من شخص لشخص حسب عمله ، فإن كانت الخمر في الدنيا شراب الملاعين ” الكافرين ” فهي في الجنة تجري في أنهار ، مختلفة تماما عن خمر الدنيا ، و هي شراب المؤمنين المتقين ، فهي كانت محرمة شرعا في الدنيا على المؤمنين إنما في الجنة فهي حقا شرعيا و جائزا من الله تعالى 000 فالمؤمن الذي صبر و ترفع عم ملذات الدنيا الزائلة كالخمر مثلا سيكون له نصيب ملذات الجنة الخالدة ، و منها خمر الجنة ، فهي خمر طعمها طيب و رائحتها تأخذ رائحة المسك ، حسنة المنظر و الطعم و الرائحة و الفعل ، كاسات تُعبأ لأهلها من أنهار الجنة الجارية ، إنها خمر الجنة البيضاء ، لونها مُشرق حَسن بهي لا مثل خمر الدنيا البشع الرديء من حُمرة أو سواد أو اصفرار, فنعيم الجنة له جنس مشابه في الدنيا مع الفارق فالأشجار و الأنهار و الثمار و الحرير و الذهب و الفضة و الجمال و العسل و غير هذا أشياء مشتركة بين الدنيا و الآخرة , لكن ثمة فرق عظيم بين الأمرين, فليس في الدنيا إلا المشابه في الأسماء.. قال تعالى : { 000 وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا  000 (25) } البقرة

قال القرطبي : أي يشبه بعضه بعضا في المنظر و يختلف في الطعم

و كما قال ابن عباس : ليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء

ثم إن خمر الدنيا أعدها الإنسان وصنعها من نبيذ أو عنب أو تفاح أو خل أو كذا فكيف تُقارن  بخمر الجنة التي أعدها الله تعالى لصاحب الجنة ؟! إنها وعد الله تعالى للمؤمن

قال تعالى : { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ۖ وَلَهُمْ  فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴿١٥﴾ } محمد

و ليعلم العبد أنه لو شرب خمر الدنيا فلن يشرب خمر الجنة حتى و لو كان من أصحاب الجنة … قول النبي صلى الله عليه وسلم : ” و من شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يشربها في الآخرة ”

هذا على سبيل الإجمال أما فيما يخص آية سورة الطور

(( يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23) ))

مشهد ” يتنازعون ” يبين أحوال الشباب عندما يجتمعوا معا ، فهذا يمد كأسه ليأخذ هو الأول ، و هذا يسبقه و يقدم يده ليأخذ الكأس قبله ، والغلمان في تزاحم حولهم يتضاحكون و يمرحون معهم ..

إنهم الآن يتحررون من روتين الحياة الدنيا  , والتي لا يزال ذكرها في ذاكرتهم ، إنهم يفكون ذرات التجمد التي بداخلهم ، الحياة التقليدية الكلاسيكية ، حياة الباشوات الروتينية ، فهذا التنازع يخرج الصامت عن صمته , إنها حياة الجنة بهجة بلا قيود و لكن يلفهم لباس الوقار و الحشمة ، و هم يشبهون في لهوهم سلوك الطفل الفرح البريء ، لا لغو و لا تأثيم ..

و خلاصة الأمر أن هذا الكأس كما أسلفت يُحفز العقل لمزيد من الحديث المثمر النافع و يزيد من نشاط المخ و يضفي على شاربه العافية و الجمال و الذكاء و الحضور الذهني و زيادة نسبة التركيز فالذاكرة معه حديد و هذا ما تؤكده الآيات المقبلة

كتبه/ ام هشام

شاهد أيضاً

الطاقه الايجابيه

ـ  تعمل الطاقة الإيجابية و هي الخير في تحصين الإنسان من الانزلاق في الشهوات و …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *