الرئيسية / مقالات / ( يسأله من في السماوات و الأرض كل يوم هو في شأن )

( يسأله من في السماوات و الأرض كل يوم هو في شأن )

( يسأله من في السماوات و الأرض كل يوم هو في شأن )

سبحانه يغفر ذنبا و يفرج كربا و يكشف غما و ينصر مظلوما و يأخذ ظالما و يفك عانيا و يغني فقيرا ، و يجبر كسيرا و يشفي مريضا و يقيل عثرة و يستر عورة و يعز ذليلا و يذل عزيزا ، و يعطي سائلا و يذهب بدولة و يأتي بأخرى ، و يداول الأيام بين الناس و يرفع أقوام و يضع آخرين ، يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السماوات و الأرض بخمسين ألف سنة إلى مواقيتها ، فلا يتقدم شيء منها عن وقته و لا يتأخر ، بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه و جرى به قلمه و نفذ فيه حكمه و سبق به علمه ، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده ، تصرف ملك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك لا ينازعه في ملكه منازع و لا يعارضه فيه معارض ، فتصرفه في ملكه دائر بين العدل و الاحسان و الحكمة و المصلحة و الرحمة فلا يخرج تصرفه عن ذلك ،فما يكذب هذا الا جاحد يستحق الوعيد

 اخوتاه//

و عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سئل عن قوله ” كل يوم هو في شأن ” فقال : سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ” من شأنه أن يغفر ذنبا و يفرج كربا و يرفع قوما و يضع آخرين ”

قال ابن مسعود رضي الله عنه : إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل و لا نهار ، نور السماوات و الأرض من نور وجهه أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة ، تعرض عليه أعمالكم بالأمس ، ثلاث ساعات من أول النهار ، فيطلع منها على ما يكره فيغضب ، فيكون أول من يعلم بغضبه حملة العرش فتسبح حملة العرش و سرادقات العرش و الملائكة المقربون و سائر الملائكة ، و ينفخ جبريل في القرن فلا يبقى خلق لله جل جلاله في السماوات و لا في الأرض إلا سمعه إلا الثقلين ، و يسبحون لذلك ثلاث ساعات حتى يمتلأ الرحمن رحمة ،  فتلك ست ساعات ثم يدعو ” بالأرحام ” فينظر فيها ثلاث ساعات ”  يصوركم في الأرحام كيف يشاء 000″ فتلك تسع ساعات ثم يدعو ” ” بالأرزاق ” فينظر فيها ثلاث ساعات ” يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر ” فتلك اثنتا عشرة ساعة 0 ثم قرأ ابن مسعود : ” كل يوم هو في شأن ” ثم قال : هذا شأنكم و شأن ربكم عز وجل

سبحانه سبحانه العالم بكل شيء الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق و ما خلفهم ، فلا تسقط ورقة إلا يعلمها و لا تتحرك ذرة إلا باذنه ، يعلم دبيب الخواطر في القلوب ، سبحانه البصير الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة ” النملة ” الصغيرة و يرى دبيبها على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ، و يرى ما تحت الأرضين السبع و يرى ما فوق السماوات السبع ، سبحانه السميع الذي قد استوي في سمعه سر القول و جهره ، وسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه أصوات الخلق و لا تشتبه عليه و لا يشغله منها سمع عن سمع و لا تغلطه المسائل و لا يبرمه كثرة السائلين 00 سبحانه كل نعمة منه فضل و كل نعمة منه عدل

فالعبد يسأله سبحانه لعلمه أنه موصوف بصفات الكمال و الجلال و الجمال فهو على كل شيء قدير و هو فعال لما يريد و هو لا شيء يعجزه و كل شيء عليه يسير ، و ما من شيء إلا عنده خزائنه و أنه غني حميد ، و أنه سبحانه كريم و جواد و يحب العطاء فيداه ملآى ينفق كيف يشاء ، عطاؤه كلام و منعه كلام ، إذا أراد شيء أن يقول له كن فيكون لذلك ” يحمد سبحانه على كمال صفاته و أسمائه ” أسألك بكل اسم هو لك فالحمد لله رب العالمين 000

ثم ” يحمد على النعم و الآلاء ” و هذا مشهد للخليقة برها و فاجرها ، مؤمنها و كافرها من جزيل هباته و سعة عطاياه و كريم أياديه و جميل صنائعه و حسن معاملته لعباده و سعة رحمته لهم و بره و لطفه و حنانه و اجابته لدعوات المضطرين و كشف كربات المكروبين و اغاثة الملهوفين و رحمته للعالمين و ابتدائه بالنعم قبل السؤال و من غير استحقاق بل ابتداء منه بجود فضله  و كرمه و احسانه

و دفع المحن و البلايا ، بعد انعقاد أسبابها و صرفها بعد وقوعها0 سبحانه أعطاهم قبل أن يسألوه و تحبب إليهم بنعمه مع غناه عنهم و تبغضهم إليه بالمعاصي و فقرهم إليه ، سبحانه ذكرهم بآلائه و تعرف إليهم بأسمائه و أمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم و احسانا لا حاجة منه إليهم ، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية لهم لا بخلا منه سبحانه عليهم ، و خاطبهم بألطف الخطاب و أحلاه و نصحهم بأحسن النصائح ووصاهم بأكمل الوصايا و كرر على مسامعهم لايقاظ قلوبهم ” فبأي آلاء ربكما تكذبان ” ؟! انه خطاب الرحمة و المودة و المحبة

اخوتاه //

و من أراد مطالعة أصول النعم فليتأمل عدد النعم و الآلاء في الدنيا و الآخرة ، و تعجز العقول عن الاحاطة بواحدة فقط من النعم ! و حق له سبحانه أن يسأل فهو الرحمن الذي في عطائه رحمة و في منعه رحمة ، و من يسأل إن لم يسأل الرحمن عز وجل ، فهو خالق كل شيء و هو القادر على كل شيء ، و لماذا لا يسأل و قد عرفهم بنفسه و عرفهم بآلائه و احسانه و فتح لهم باب السؤال ووعدهم بالاجابة ، و جعل باب العطاء مفتوح لمن يستحق و من لا يستحق ، فهو رب العالمين ، و ليس معنى هذا أن الله تعالى سوى بين عباده في رحمته و فضله ، لا إنما “يختص برحمته من يشاء ” و هذا موجب ربوبيته و الهيته و حمده و حكمته ، فلأمر بين خلقه مقسم بين فضله و عدله و هو محمود على هذا ، فالطيبون من خلقه مخصوصون بفضله و

رحمته و الخبيثون مقصودون بعدله أي بعذابه ، ولكل واحد قسطه من الحكمة و الابتلاء و الامتحان ، و كل يسير فيما هو له مهيأ و له مخلوق ، فالمؤمنون خلقهم للخيرات فهم لها عاملون ، بما سبق لهم من مشيئته و قسمته شأنهم أن لا تضرهم الأدواء و لا السموم ، بل متى وسوس لهم العدو و اغتالهم بشيء من كيده تذكروا فإذا هم مبصرون قال تعالى ”  إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) الأعراف / ” فبأي آلاء ربكما تكذبان ”

لقد أراهم بره و رحمته و احسانه في عفوه و مغفرته ، و أشهدهم نفوسهم و ما فيها من النقص و الظلم و الجهل و أشهدهم حاجتهم إليه و افتقارهم و ذلهم و أنه إن لم يعف عنهم فلا سبيل لهم إلى النجاة أبدا 0 ” فبأي ألاء ربكما تكذبان ”

تضرعوا إليه سبحانه بالدعاء و توسلوا إليه بذل العبودية و عز الربوبية ، فتعرف سبحانه إليهم بحسن اجابته و جميل عطفه و حسن امتنانه في أن ألهمهم دعاءه و يسرهم للتوبة و الانابة ، لقد أقبلوا بقلوبهم بعد اعراضها عنه ” فبأي آلاء ربكما تكذبان ” ؟!

أحبة القرآن //

لم تمنعهم معاصيهم و جناياتهم من أن يسألوه و هذه رحمة ، ثم لم تمنعه معاصيهم من عطفه عليهم وبره لهم ، فتاب عليهم قبل أن يتوبوا إليه و أعطاهم قبل أن يسألوه ، فلما تابوا إليه واستغفروه و أنابوا إليه تعرف إليهم ” الرحمن ” تعرفا آخر ، فعرفهم رحمته و سعة مغفرته

و كريم عفوه و جميل صفحه و بره و امتنانه و كرمه رغم طول شرورهم و شدة نفورهم و أشهدهم مع ذلك حمده العظيم و بره العميم سبحانه استخرج منهم الداء و تداركهم بالدواء ، قذف فيهم روح الرجاء ، و أخبرهم أنه عند ظنونهم به ، ” فبأي آلاء ربكما تكذبان ”

سبحانه عز وجل لو أشهدهم عظم الجناية و قبح المعصية و غضبه و مقته على من عصاه لأورثهم ذلك المرض القاتل أو الداء العضال من اليأس من روحه و القنوط من رحمته و كان ذلك عين هلاكهم و لكن رحمهم قبل البلاء وفي أثناء البلاء و بعد البلاء ن و كان البلاء في حقهم سببا إلى علو درجاتهم و نيل الزلفى و الكرامة عنده فأشهدهم بالمعاصي عزة الربوبية و ذل العبودية و رقاهم بتا و بأثارها إلى منازل قربه و نيل كرامته ، فهم يغدون و يروحون و يتقلبون في رحمته ” فبأي آلاء ربكما تكذبان ” إذا سألتم شيئا في الدنيا فأعطاكم بفضله ثم سلبها الملك منكم بعدله ، فاعلموا أنها عطايا الآخرة إذا احتسبتم اياها ” فبأي آلاء ربكما تكذبان 000 ” و لو اعترف أهل المعاصي بجرمهم في الدنيا لأدركتهم رحمته سبحانه و لو سألوه التوبة لتاب عليهم ن و لكن حجبوا عن معرفته بأنه الرحمن ، حجبوا عن توحيده و معرفته بأسمائه و صفاته و أفعاله ، لقد ضرب عليهم الحجاب عدلا منه سبحانه ، أبعدوا عنه بأقصى البعد و أخرجوا من نوره إلى الظلمات و غيبت قلوبهم في الجهل بت و بكمال جلاله و عظمته فى غيابات    الظلم ، ليتم عليهم أمده  و ينفذ فيهم حكمه بعدله و هذا من تمام رحمته ” فبأي ألاء ربكما تكذبان ” !!؟

كتبه/ام هشام

شاهد أيضاً

بناء النفس !! كيف يكون

بناء النفس !! كيف يكون بناء النفس بناء يصل إلى عنان السماء ، بناء لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *