الرئيسية / مقالات /  فضل الله تعالى على الانسان وتكريمه له /

 فضل الله تعالى على الانسان وتكريمه له /

((  إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)

 فضل الله تعالى على الانسان وتكريمه له /

كانت البداية في قصة هذا الإنسان أن رُفع ترابه إلى ربه و خالقه فعجن بماء الجنة ، خلقه الله تعالى بيده و نفخ فيه من روحه و أسجد له ملائكته و علمه الأسماء كلها خلقه لحكمة و لقدر

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم  ” إن أول ما خلق الله القلم ، فقال له اكتب فقال : ما أكتب ؟ قال : اكتب القدر . فكتب ما كان وما هو كائن إلى الأبد 

[ رواه الترمذي ، وقال : هذا حديث غريب إسنادا ]

وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور شيء اهتدى ومن أخطأه ضل” قال عبد الله : فلذلك أقول جف القلم بما هو كائن

[ رواه الإمام أحمد ]

عن عائشة رضي الله عنها : أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي من صبيان الأنصار يصلي عليه فقالت : طوبى لهذا ، لم يعمل سوءا ولم يدر به ، فقال :  ” أو غير ذلك يا عائشة، إن الله عز وجل خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا ، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم” .

[ صحيح أبي داود / 4713 ]

هذا هو علم الله تعالى الأزلي في الإنسان ، العلم الذي جرى به القلم قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة

00 علم في اللوح المحفوظ مكتوب ، ثم خرج هذا العلم حسب الأزمنة  والأفراد مع الأحداث إلى أرض الواقع ” الدنيا ” و قبلها تجربة آدم في الجنة ، حتى تقام الحجة على بني آدم ، لم يحاسبهم الله تعالى على مجرد علمه فيهم بل أفسح لهم الطريق إليه بحكمته  وعدله حتى تكون له سبحانه الحجة البالغة و حتى تتحقق أسمائه الحسنى و صفاته العلا 000

و أباح الله عز وجل لآدم كل متاع الجنة إلا شجرة واحدة بعد ما أخذ عليه و على ذريته الميثاق  قال تعالى { إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172( } الأعراف

عرفهم عز وجل بذاته فأقروا بمعرفته , الكل أقر واعترف بالله ربا ، إنه آدم عليه السلام و ذريته ، إنه خلق الله ، إنه صُنع الله ، فيه حكمته و أسراره ، و أنواره ، فيه مضغة مميزة فريدة من نوعها ، عليها حراس وجنود ، هي مجموعه و شموله ، هي سعادته أو شقاوته ، هي الإناء الذي سيُصب فيه ماء الحياة و أنوار الهداية ، إنه القلب ، قلب الإنسان فالذي خلق هو الله سبحانه الذي يعلم صنعته و طرق حمايتها و سبيل نجاحها و فوزها ، قال تعالى{ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14( } الملك

فتكفل الله سبحانه بهدايته إن هو استجاب لمنهجه و شرعه و أطاع أنبيائه و رسله و كان أول تكليف لآدم عليه السلام , قال تعالى { وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) } البقرة

و عصى آدم عليه السلام ربه و أكل من الشجرة فأهبط و ذريته و حواء إلى الأرض ثم كانت التوبة بفضل الله تعالى,  قال تعالى :{ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ (122( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (123( } طه

قال تعالى :{ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37 (} البقرة

و كانت البداية كما في حديث عمران بن الحصين : روى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  ” اقبلوا البشرى يا أهل اليمن ، إذ لم يقبلها بنو تميم ” قالوا : قد قبلنا يا  رسول الله . قالو ا: جئناك نسألك عن هذا الأمر .

قال : ” كان الله ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ، وخلق السموات والأرض.  ”
وفي رواية:  ” لم يكن شيء قبله ” قال ابن حجر : وفي رواية غير البخاري : ” ولم يكن شيء  معه ” فهو عز وجل خالق كل شيء ،

قال تعالى :  { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ (50( } طه

قال تعالى : { وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ (3) } الأعلى

أي قدر قدرا و هدى الخلائق إليه ، كتب الأعمال و الآجال و الأرزاق ، و جبل الخليقة على ما أراد ، هدى كل مخلوق إلى ما خلقه له و هذه هي الهداية العامة المشاهدة في جميع المخلوقات ، فكل مخلوق تجده يسعى لما خلق له من المنافع و في دفع المضار عنه ,

قال تعالى : { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ (7) } السجدة

أي هداه لمصالحه حتى تستقيم حياته ، فهو الرب على الحقيقة 0 فكيف ينكر الإنسان وجود هذه الأشياء من حوله ، إن هذا ليعد مُكابرة و جهر بالكذب ، فلو أن الإنسان أنكر هذا لكان إنكاره لرب العالمين أكبر و أشد ،

فمن الذي خلق هذا الكون و سخره و هداه لخدمة الإنسان حتى يقوم بحمل رسالته ويؤدي أمانته ،

من الذي سخر الشمس و القمر و الليل و النهار, ماء و هواء و رياح, و أرض وسماء و جبال

و بحار و أنهار و غير ذلك ،

من الذي خلق الملائكة و سخرها في خدمة الإنسان ، فكان الإنسان ابتلاءً لها ، فما كان من الملائكة إلا التسليم لرب العالمين ، فهي مجبولة على الطاعة لله تعالى بهداية الله تعالى لها غير مخيرة ، و من ثم فهي مُسخرة لخدمة الإنسان ثم القيام على حسبه و تسجيل أعماله فالهدى حصريا على الله تعالى ، لأن الهدى تابع لهداية القلوب و القلوب بيده سبحانه ، و الهدى هبة من الله تعالى لمن يستحق ، و العبد لا يهدأ و لا يسكن قلبه و يطمئن إلا بصدق اللجوء إلى الله تعالى ، إلا بالوقوف على بابه سبحانه ، لعلمه أن عنده سبحانه القوة و الرحمة و اللطف و الغنى 000 إنه الركن الشديد و صدق اللجوء إلى الله تعالى يقتضي توجيه قبلة القلب إلى الله تعالى وحده لا شريك له , فينظر الله تعالى إليه فيجده قلبا مهيأ باحثا متشوقا ، يريد الوصول إليه سبحانه فيقذف فيه من نور الهدى ، فالقلب المؤمن يفتح بابه لنسائم الجنة ، و هذا يعني أنه يجاهد في الفهم عن الله تعالى و في تحصيل العلم و الحكمة ، فيفي بالوعد و يصدُق مع نفسه و مع الآخرين و يعدل في عطائه و يعطي كل ذي حق حقه ، يصبر و يرضى و يشكر ربه عز وجل و إن لم يوجهه قلبه لربه كيف يفوز بنسائم الجنة هذه ؟! كيف تهب على قلبه رياح الجنة ” المثيرة ”

فلا تدع رياح الجنة تخطئ قلبك , بل دائما وجه قلبك إلى الله تعالى ، إنها رياح تأتي من تحت العرش ، رياح خير وجمال و سكن و طمأنينة و سلام نفسي ، و قبول و راحة 0 لقد تكفل الله تعالى بهداية من يوجه قلبه إليه وحده

قال تعالى{ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى }

وذلك لقدسية الهدى ولعدم استطاعة العباد على فعل هذا ، فالهدى لا يسوقه إليك إلا الله تعالى و لا يقدر على حمله إنسان, ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحنث الليالي ذوات العدد

قال تعالى{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (33) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } إبراهيم

موجها قلبه إلى ربه ليهدي قلبه إليه ، إنه عطاء الله تعالى لمن استوفى الفكر و التدبر في آيات الله تعالى و لذك قال تعالى {  وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) } النجم

ثم تأمل كيف وفى ؟

لقد وفى إبراهيم عليه السلام في كل مواقف حياته

وفي رسالته, قال تعالى { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52( } الأنبياء

{ قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (59) } الأنبياء

وهكذا توالت المناظرات و الحوارات و المحادثات ، عُقدت البرلمانات و نوقشت المسائل في الندوات

وفى أبراهيم مع ولده عندما قال { يَا أَبَتِ }

و في …  مع ولده في همه بذبحه

وفى ….. مع أضيافه الكرام

وفى …..مع أزواجه وأولاده

وفى…. عندما قال { قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ (131) } البقرة

{ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى }

فالهدى عملة عالية غالية لايملك مادتها النورانية الا  الله فهى هدية الله لعباده المتقين

هدى من كنوز الله المستورة إلى قلب العبد الخفي ، من ستر لستر ، إنه عطاء الستير عز وجل 0 إنه حبل الله الذي لا يُقطع ، حبل سري نوراني بين الله تعالى وبين عبده المؤمن التقي ، و مثل هذا كالبذرة تدفنها في باطن الأرض ثم ارعها و اسقها و اتركها ،  لا ترفع عنها التراب

دعها فإن ربها يمدها بأسباب الحماية والحياة , في سر لا تكشف ستره و لا تهتك سره لا تتطلع على سر الله تعالى فيها ، إنه سبحانه يحميها منك و من غيرك لتخرج ثمرها لك حفظها لك ، لتطعمك ، فدعها تعمل في صمت ، في ليل دعها تنتظر النهار فتشق الأرض بإذن الله تعالى و تُخرج لك ثمارها فاعمل في خفاء و ستر مثلها ، اجعل لك خبيئة ،

اعمل في ليل الطاعة ليسفر النهار عن أخلاقك و جمالك الروحي و المعنوي و المادي ، فأعمل عقلك و فكر و تدبر ما يحيط بك من كون عظيم ، تأمل ” سلمان ” رضي الله عنه الذي اندهش لروعة و عظمة هذا الكون فسبقه قلبه إلى الله تعالى قبل عقله ، قبل أن يدخل في الإسلام و يُكَلف ، ظل يبحث و يبحث و يسافر و يقطع المسافات و المفاوز حتى وصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلف بالسجود ، سجد قلبه لرب العالمين و إذا سجد القلب لله تعالى هداه و أناره و طمأنه 00 هذا الذى هداه الله اليه  هدى قلبه  فهديت جوارحه الى الله  سبق الى الله فكان له السبق

ظل سلمان يبحث عن دواء لنفسه و لقلبه ، المضطرب ، لابد أن يكون أحد من الناس يعلم بتركيبة الدواء ظل يبحث و يجوب الأرض ، علم أن الله تعالى لن يترك عباده الذين يبحثون عن الحقيقة في تيه و ضياع و أخذ سلمان يتشمم بقلبه الناس ، فالحقيقة لها رائحة زكية عبر الأثير مهما طال الزمن  ومهما بعدت المسافات والاميال ، ظل يتشممها من كل مدعي ، و الله عز وجل يستحق هذا البحث و الجهد فهو واهب الحياة هذا الذي بحث عن ربه قبل أن يسمع ” حي على الفلاح ”

كتبه/ ام هشام 

شاهد أيضاً

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا

ضرورة الحفاظ على هويتنا وايماننا و العجب من أناس مسلمين يخافون على أولادهم من الجوع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *